يقول السرخسي: (ت: ٤٩٠ هـ):
والتَّقيّة: أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه. (^١٠). والسرخسي قد قيدها باتقاء العقوبة.
ويقول محمّد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ):
والتَّقيّة: ما يقال أو يُفعل مخالفًا للحقّ لأجل توقّي الضرر. (^١١). ورشيد رضا قيدها بتوقّي الضرر.
ويقول محمد مصطفى المراغي (ت: ١٣٦٤ هـ):
التَّقيّة: بأن يقول الإنسان، أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر الأعداء، يعود إلى النفس، أو العِرض، أو المال. (^١٢). وكذلك المراغي قيدها بتوقّي ضرر الأعداء.
ويلاحظ أن تعريف التَّقيّة عند علماء الإسلام من أهل السنة مقيد بخوف الضرر، واتقاء العقوبة، وقيد ذلك أيضًا بالخوف من الأعداء، وذلك من أجل حفظ الضرورات والكليات الخمس التي جاءت بها مقاصد الشريعة، وأمرت بحفظها.
_________________
(١) - لسان العرب، لابن منظور: (١٥/ ٤٠١)، لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥
(٢) - المخصص لابن سيده ٤/ ٦١.
(٣) - شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم للحميري ١/ ٧٢٧٥.
(٤) تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي ٩/ ١٩٩.
(٥) - مفردات ألفاظ القرآن الكريم، للراغب الأصفهاني: (٢/ ٥٣٠). مفردات ألفاظ القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، المحقق: صفوان عدنان داوودي، الناشر: دار القلم - الدار الشامية، سنة النشر: ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م، عدد المجلدات: ١، رقم الطبعة: ٤.
(٦) يُنظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٩/ ٣٩٨)، فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣.
(٧) يُنظر: المبسوط، للسرخسي: (٢٤: ٤٥)، المبسوط المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: ٤٨٣ هـ) الناشر: دار المعرفة - بيروت الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م عدد الأجزاء: ٣٠.
(٨) - معجم المصطلحات السياسية في تراث الفقهاء، سامي الصلاحات: (ص: ٧٠).
(٩) أعني بالرافضة طائفة الاثني عشرية، التي تلقب نفسها بـ: الجعفرية، والمؤمنين، والخاصة، والإمامية. يُنظر: ألقابهم في: أصول مذهب الشيعة: (١/ ٩٩) وما بعدها.
(١٠) - المبسوط، للسرخسي ٢٤: ٤٥.
(١١) - تفسير المنار، محمّد رشيد رضا ٣: ٢٨٠، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: ١٣٥٤ هـ) الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة النشر: ١٩٩٠ م عدد الأجزاء: ١٢ جزءًا.
(١٢) - تفسير المراغي: (٣/ ١٣٧)، تفسير المراغي المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ) الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م عدد الأجزاء: ٣٠.
[ ٧٥ / ١٤ ]
وهذه الضرورات هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسب (العرض)، حفظ المال.
ويُجلي الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ): مقاصد الضرورات الخمس في "المستصفى" فيقول:
إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. (^١)
ويُعلل ابن الأزرق (ت: ٨٩٦ هـ): -﵀- الاهتمام بالضرورات الخمس في "بدائع السلك" فيقول:
لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، بحيث لو انحرفت لم يبق للدنيا وجود من حيث الانسان المكلف، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها .. فلو عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتبُ الجزاء المرتجى. ولو عُدِمَ الإنسانُ لعُدِمَ من يتدين. ولو عُدِمَ العقلُ لارتفع التدبير. ولو عُدِمَ النسلُ لم يمكن البقاء عادة. ولو عُدِمَ المالُ لم يبق عيش. (^٢)
يقول ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) - ﵀-:
والتَّقيّة رخصة، وليست بعزيمة. (^٣)
ولذا فقد قال الفخر الرازيُّ (ت: ٦٠٦ هـ) -﵀-:
لو أفصح بالإيمان والحقِّ حيث يجوز له التَّقيّة، كان ذلك أفضل. (^٤)
وهذا إمام أهل السنة والجماعة- الإمام أحمد بن حنبل الشَّيباني- يعلن بالأخذ بالعزيمة، فقد سُئل محنته في القول بخَلْق القرآن:
إنْ عُرِضْتَ على السّيف تجيب؟ قال: لا، وقال: " إذا أجاب العالِمُ تَّقيَّةً، والجاهلُ يجهل، فمتى يتبيَّن الحقُّ"؟. (^٥)
ويؤكد هذا المعنى ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) - ﵀ - فيقول:
أجمعوا على أن مَنْ أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشُرب الخمر مثلًا، فالفعل أولى. (^٦)
ولذا فقد قال أصحاب أبي حنيفة - ﵀ -:
التَّقيّة رخصة من الله - تعالى - وتَرْكُها أفضل، فلو أُكْرِه على الكفر فلم يَفعل حتى قُتل، فهو أفضل ممن أظهر، وكذلك كل أمرٍ فيه إعزاز الدِّين فالإقدام عليه حتَّى يُقتل أفضل من الأخذ بالرُّخصة. (^٧)
وقال الرازيُّ﵀-:
التقيَّة إنما تكون إذا كان الرجل في قومٍ كفَّار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيُداريهم باللِّسان؛ وذلك بأن لا يُظهر العداوة باللِّسان، بل يجوز أيضًا أن يظهر الكلام الموهم للمحبَّة والموالاة، ولكن بشرط أن يُضْمِر خلافه، وأن يُعرِّض في كلِّ ما يقول، فإنَّ التقيَّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب. (^٨) ومن هنا يُتأكد لدينا أن التَّقيّة شُرعت في الإسلام في أضيق الحدود،
_________________
(١) - المستصفى، الغزالي، دار الكتب العلمية، سنة النشر: ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م، رقم الطبعة: ط ١، ص: ١٧٤.
(٢) - بدائع السلك في طبائع الملك، ابن الأزرق: (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٣) - زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٢، تفسير ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.
(٤) - يُنظر: تفسير الرازي: ٤/ ١٧٠، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.
(٥) - يُنظر: زاد المسير، لابن الجوزي: ١/ ٣٧٢.
(٦) - يُنظر: فتح الباري لابن حجر: ١٢/ ٣١٧.
(٧) - يُنظر: تفسير البحر المحيط، لأبي حيان: ٣/ ١٩١، تفسير أبي حيَّان، البحر المحيط في التفسير المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ) المحقق: صدقي محمد جميل الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: ١٤٢٠ هـ.
(٨) - يُنظر: تفسير الرازي: ٤/ ١٧٠.
[ ٧٥ / ١٥ ]
وبضوابط شرعية، وفي حال الخوف على ضرورة من تلك الضرورات وعلى حفظها فحسب.
لذا فإن التَّقيّة عند أهل السُّنَّة أمر اضطراري عارض بسبب دفع بلاء شديد مِمَّا لا تطيقه النفس البشرية ويَشُقُّ عليها احْتِمَالُهُ، كما أنه لا يترخص بِالتَّقِيَّةِ مَنْ كَانَ لَهُ مخرج لا يرتكب فيه محرمًا، كل ذلك مصحوبًا بسلامة الباطن وعمارته بالإيمان.
فـ" مَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ أَنَّ الأْصْل فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ، وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ، فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.
ولذا يقول سعيد بن جبيرٍ (ت: ٩٥ هـ) - ﵀ -:
ليس في الإسلام تَقِيَّة، إنما التَّقِيَّة لأهل الحرب. (^١)
قَال الْقُرْطُبِيُّ (ت: ٦٧١ هـ) - ﵀ -:
وَالتَّقِيَّة لَا تَحِل إِلاَّ مَعَ خَوْفِ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الإْيذَاءِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُنْقَل مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ. (^٢)
وفي نحو ذلك يقول ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) - ﵀: -
التَّقيّة أن يقول العبد خلاف ما يعتقده لاتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم التَّقيّة. (^٣).
والأصل في ذلك عند أهل السنة قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: ١٠٦).
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) - ﵀ -:
قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان) (النحل: ١٠٦) فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. (^٤)
وقال أبو بكر الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ) - ﵀-:
هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه. (^٥)
وقال أبو بكر ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) - ﵀-:
لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به. (^٦)
فإذا لم يؤاخذ اللهُ المكرهَ في النطق بالكفر حال الإكراه، فبلا أدنى ريب أن ما دونه أولى بذلك، ولذا يُعد هذا أصل أصيل في العذر بالإكراه في أصول الشريعة وفروعها.
وأما عن مستند أهل السنة في " التَّقيّة " فقوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران: ٢٨).
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) - ﵀-: قوله: (إِلا أَنْ
_________________
(١) - يُنظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٦، تفسير البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥.
(٢) -الموسوعة الفقهية: (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧)، الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءا الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة.
(٣) - أحكام أهل الذمة: (٢/ ١٠٣٨).
(٤) - تفسير ابن كثير: (٢/ ٥٨٧)، تفسير ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ.
(٥) - أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٩٢).
(٦) - أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١١٨٠).
[ ٧٥ / ١٦ ]
تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته؛ كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ". (^١)