بعد ما تبيَّن لنا بوضوح وجلاء مكانة التَّقيّة عند الرافضة عمومًا وأنها من لب وأساس دينهم، من المناسب هنا الكلام عن استعمالهم التَّقيّة مع أهل السُّنَّة خاصة.
أبرز أقوالهم في وجوب لزوم التَّقيّة مع أهل السُّنَّة:
لابد وأن يُعلم أولًا أنَّ جماهير أهل السُّنَّة عند الرافضة من جملة الكافرين وأن دولتهم يسمونها عندهم "دولة الظالمين" كما أنهم يسمونها- أيضًا "دولة الباطل"، وأن ديارهم تسمى عندهم بـ" ديار التَّقيّة"، كما أنهم يطلقون عليهم "سفلة الرعية".
أما تكفيرهم لجماهير المسلمين من (أهل السُّنَّة)، ذلك لأنهم لم يؤمنوا بالأئمَّة الاثني عشر وفي ذلك يقول ابن بابويه القمي (ت: ٣٢٩ هـ):
واعتقادُنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمَّةِ من بعده أنه بِمَنْزلة مَنْ جحد نبوَّة الأنبياء، واعتقادنا فيمن
_________________
(١) - مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٣). مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.
(٢) - قال أبو عبيدٍ: "ويحكى عن المفضل أنه كان يقول: هذا المثل قيل لرهمٍ بنت الخزرج من كلبٍ، وكانت امرأة سعد بن زيد مناة بن تميمٍ، وكان لها ضرائر، فسابَّتها إحداهنَّ يومًا فرَمَتْها رهمٌ بعيبٍ هو فيها، فقالت ضرَّتُها: "رمَتْني بدائها وانسلَّت" فذهبت مثلًا". ويُضرب هذا المثل لمن يعيِّر الإنسان بما هو فيه. يُنظر: "الأمثال" لابن سلام (٧٣)
(٣) منهاج السنة النبوية: (١/ ٣٠).
(٤) - مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨١).
(٥) - منهاج السّنة: (٥/ ١٦٠ - ١٦١).
(٦) - كتاب: كلمات وأشعار في ذم الرافضة الكفار الفجار، جفجاف ابراهيم، الأبيات: ٣٢ - ٣٤، (١٠/ ١)
[ ٧٥ / ٢١ ]
أقرَّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنْزِلة مَنْ آمن بجميع الأنبياء، ثم أنكر نبوَّة محمد - ﷺ. (^١)
هذه هي عقيدتهم في الأئمة وغلوهم فيهم، حتى قرنوا من جحد إمامًا واحدًا منهم بمنكر النبوات.
يروي الكليني في " الكافي" عن الباقر قوله:
إن الله ﷿ نصَّب عليًا ﵇ علمًا بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنًا، ومن أنكره كان كافرًا، ومن جهله كان ضالًا، ومن نصب معه شريكًا كان مشركًا، ومن جاء بولايته دخل الجنة" (^٢). وهذه هو دين الرافضة، دين مبني على الشرك بالله وعبودية آل البيت.
الروايات التي تجعل من معرفة الإمام شرطًا من شروط صحة الإيمان قولهم على لسان أئمتهم:
نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالًا، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء. (^٣) وكذلك هو دين مبني على الكبر والغطرس على طريقة قول اليهود" نحن شعب الله المختار".
للتَّقيّةِ أهداف كبرى وغايات عظمى عند الرافضة:
وقد ارتبطت التقيّةُ بالشيعة، فهى النظام السرى فى شئونهم فإذا أراد إمام الخروج والثورة على الخليفة، وضع لذلك نظامًا وتدابير، وأعلم أصحابه بذلك فكتموه، وأظهروا الطاعة حتى تتم الخطط المرسومة فهذه تقيّة، وإذا أحسّوا ضررا من كافر أو سنّى داروه وجاروه وأظهروا له الموافقة فهذه أيضا تقيّة وهكذا. (^٤)
وقد أخذ بالتقية بعض الفرق الباطنية الذين كانوا يحلمون بإيجاد دولة لهم لتنفيذ مآربهم ومخططاتهم أمثال القرامطة والفاطمية والإسماعيلية والدروز، والبابية، وغيرها من الدعوات الباطنية التى كانت تحافظ على تقاليدها بالتستر إلى أن تقوى وتعلن وجودها بعد أن تكون قد حققت لنفسها المقومات الكفيلة باستمرارية وجودها. (^٥)
وسطية أهل السُّنَّة في قضايا التكفير بين الإفراط والتفريط:
أما غلو الرافضة في تكفير جماهير المسلمين من (أهل السُّنَّة) فقد مر بنا آنفًا ذكر بعض مشاهد منه.
أما أهل السُّنَّة: فلابد وأن يُعلم جيدًا أنهم أبعد الناس عن التكفير وأشدهم في أخذ الحيطة فيه والاحتراز منه، لما لا وقد جعلهم الله وَسَطًا عدولًا خيارًا في كلِّ ما تنازعت فيه سائر الفِرَق من المسائل المتنازَع فيها، كما قال
_________________
(١) - الاعتقادات، لابن بابويه: ص ١١.
(٢) - الكافي للكليني: (١/ ٤٣٨).
(٣) - الكافي للكليني: (١/ ١٨٧).
(٤) - دائرة المعارف الإسلامية ٥/ ٤١٩.
(٥) -الكشَّاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد: خالد محمد الحاج، ١/ ١١٤، ط إدارة إحياء التراث- قطر: ١٩٨٣ م.
[ ٧٥ / ٢٢ ]
سبحانه: (وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣).
و(وَسَطًا) يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين. (^١)
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) - ﵀-:
والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا أي: خيارها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه: الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي صلاة العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها … (^٢)
ذلك لأن الوسطيةُ من أبرز خصائص منهج أهلِ السُّنَّة والجماعة ولا سيما في قضايا العقيدة وما يتعلق بها من أحكام، أما أهلُ الفِرَق الخارجة عن منهج وعقيد أهل السُّنَّة فإنك تراهم قد أَصَّلوا لأنفسهم أصولًا وقعَّدوا لها قواعد وحاكموا إليها نصوصَ الشرع ونزَّلوها عليها، فما وافق منها ما أصَّلوه وقعَّدوه قَبِلوه، وما خالف منها ردُّوه ورفضوه، ولذا فإن المتبصر والمتأمل في أصول وقواعد ومناهج تلك الفرق يراها تدور بين الإفراط والتفريط، وبين الغُلُوِّ والجفاء، أما أهلُ السُّنَّة فترى وسطيتهم بين تلك الفرق وتراهم أكثرها تعظيمًا وإجلالًا للحق ولزومًا له وعملًا به وتراهم أكثر وأسرع انقيادًا وتسليمًا للدليل الشرعي الوارد في الكتاب والسُّنَّة، فلا يردُّون الأدلة الثابتة في الوحيين ولا يعارضونها بشيءٍ من الأهواء، ولا يتجاوزونها إلي تحكيم عقولهم ولا آرائهم ولا يستعملون الأقيسةٍ المنطقية الفلسفية ولا يقدمونها على الأدلة الشرعية، وهم في ذلك مستجيبين لأمره ربهم الذي خاطبه فيه سبحانه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الحجرات: ١).
فأهل السُّنَّة يعتمدون على النصوص الشرعية، ويقدمونها على العقول البشرية، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وشرطًا في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضًا، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة، الذين يعيبون العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل، ويصدقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه. (^٣)
وفي نحو ذلك يقول الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) - ﵀-:
اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه، إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث
_________________
(١) - تفسير البغوي: (١/ ١٢٢)، يرويه البغوي عن الكلبي.
(٢) تفسير ابن كثير: (١/ ١٨١).
(٣) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي: (٧٨٦ - ٨٠٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية: (٣/ ١٦٨، ٣٣٨، ٣٧٣ و٥/ ٥٠٤٥)، درء تعارض العقل والنقل: (١/ ١٢، ٢٠، ١٠٥، ١٣٣)، ومنهاج السنة: (٢/ ١٠٣ - ٦٥٠)، والعقيدة الواسطية مع شرحها لابن عثيمين: (٢/ ٦٣)، والتنبيهات السنية: (١٩١ - ٢٠٦).
[ ٧٥ / ٢٣ ]
الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن: "من قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا". (^١)
ثم قال﵀-:
ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير. (^٢)
وفي أخذ الحيطة في الحكم بالتكفير يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀:
والكفر هو من الأحكام الشرعية، وليس كلُّ من خالف شيئًا عُلِمَ بنظر العقل يكون كافرًا، ولو قُدِّرَ أنه جحد بعضَ صرائحِ العقول لم يُحكَم بكفره حتى يكون قولُه كفرًا في الشريعة. (^٣)
ويقول ﵀ في محض كلامه عن الخوارج:
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصِّ والإجماع لم يكفروا مع أمرِ الله ورسولِه ﷺ بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غَلِطَ فيها مَنْ هو أعلم منهم؟ فلا يحلُّ لأحدٍ من هذه الطوائفِ أن تكفِّر الأخرى، ولا تستحلَّ دَمَها ومالَها وإن كانت فيها بدعةٌ محققَّةٌ، فكيف إذا كانت المكفِّرة لها مبتدعةً أيضًا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعًا جهَّالٌ بحقائقِ ما يختلفون فيه. (^٤)
وهذا الكلام النفيس يدل وسطية أهل السُّنَّة ورحمتهم بالخلق وأخذهم الحيطة والحذر في قضايا التكفير.
وفي هذه الصدد يقول الإمامُ أبو عثمان الصابونيُّ (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: ويَعتقدُ أهلُ السُّنَّة أنَّ المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرةً صغائرَ كانت أو كبائرَ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غيرَ تائبٍ منها ومات على التوحيد والإخلاص فإنَّ أمره إلى الله ﷿، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّةَ يوم القيامة سالِمًا غانمًا، غيرَ مبتلًى بالنار ولا معاقَبٍ على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه واستصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذَّبه مدَّةً بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلِّده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار. (^٥)
وكلام أبي عثمان الصابوني ﵀ هو لب معتقد أهل السنة في مرتكب الكبير لأنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته ولا يخرج من الملة خلافًا للخوارج، لأنه عندهم خارج من الملة عياذًا بالله من الغلو، وأهل السُّنَّة وسط بين الفرق في هذا الباب خاصة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقرر هذه الوسطية فيقول﵀-:
وكل أهل السنة متفقون على أنه - يعني مرتكب الكبيرة - قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد.
وإنما ينازعون في ذلك من يقول: الإيمان لا يتبعض، من الجهمية، والمرجئة، فيقولون: إنه كامل الإيمان. (^٦)
_________________
(١) - متفق عليه، البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٦٠)، ولفظه في البخاري: (أَيُّمَا رَجُلٍ قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا).
(٢) - السيل الجرار: (٤/ ٥٧٨).
(٣) - مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (١٢/ ٥٢٥).
(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٥) -عقيدة السلف أصحاب الحديث، لأبي عثمان الصابوني: (٧١ - ٧٢).
(٦) -الإيمان: (ص ٢٤٤)، الفتاوى: (٧/ ٢٥٨).
[ ٧٥ / ٢٤ ]
وفي نحو ذلك يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) - ﵀-:
ولا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه. (^١)
وقد نصَّ على هذه القاعدة غير واحدٍ من أئمة أهل السُّنَّة والجماعة ومن أشهر من قال بها الإمام الطحاوي.
ويحكي شيخ الإسلام إجماع أهل السنة وحكمها على الفرق الوعيدية الثِّنتين والسبعين المخالِفة لهم فيقول ﵀-:
وأجمع الصحابةُ وسائرُ أئمَّةِ المسلمين على أنه ليس كلُّ من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإنْ كان قولُه مخالفًا للسُّنَّة، فتكفيرُ كلِّ مخطِئٍ خلافُ الإجماع. (^٢)
ويؤكد ﵀ تقرير هذا الأصل الأصيل عند أهل السُّنَّة فيقول:
وأمَّا التكفير: فالصواب أنه مَنْ اجتهد مِنْ أمَّة محمَّدٍ ﷺ وقَصَدَ الحقَّ فأخطأ؛ لم يكفر بل يُغْفَر له خطؤه، ومن تبيَّن له ما جاء به الرسولُ، فشاقَّ الرسولَ من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين؛ فهو كافرٌ، ومن اتَّبع هواه، وقصَّر في طلب الحقِّ، وتكلَّم بلا علمٍ؛ فهو عاصٍ مُذنبٌ، ثمَّ قد يكون فاسقًا وقد تكون له حسناتٌ ترجح على سيِّئاته. (^٣)
ذلك لأن تلك الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة لها حُكم الإسلام في دار الدنيا، وأما في الدار الآخرة فإنها داخلة تحت المشيئة، فإن شاء الله عاملها برحمته وعفوه فلم يعذبها، وإن شاء عاملها بعدله فعذَّبها، ثمَّ يصير بعد ذلك مآلُها إلى الجنَّة.
وفرق الوعيدية الثنتين والسبعين هم من أهل الإسلام أصلًا وإن أتوا ما أتوا من الكبائر دون الشرك الأكبر المخرج من الملة.
وأما من أتى الشرك الأكبر من تلك الفِرَق، فلا شك في أنها تخرج عن الفِرَق الوعيدية ولا تُعَدُّ من جملتها، بل هي خارجةٌ عنها وعن الإسلام بالكلية، وبهذا ينضبط القول في الحكم على تلك الفِرَق الوعيدية.
وديار أهل السُّنة عند الرافضة هي ديار " التَّقيّة ":
ويقولون في ذلك: … والتَّقيّة في دار التَّقيّة (ديار أهل السُّنَّة) واجبة. (^٤)
ويسمون دولة (أهل السُّنَّة)، بـ" دولة الظالمين"، ويقولون في ذلك:
التَّقيّة فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين (أي دولة لأهل السُّنَّة)، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه. (^٥)
ويسمون دولة (أهل السُّنَّة)، بـ"دولة الباطل"، ويقولون في ذلك:
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل (أي دولة لأهل السُّنَّة)، إلا بالتَّقيّة. (^٦)
ويطلقون على لـ (أهل السُّنَّة)، لقبـ " سفلة الرعية "، ويقولون في ذلك:
ليس منا من لم يلزم التَّقيّة، ويصوننا عن سفلة الرعية (أهل السُّنَّة). (^٧)
ولقد بوَّب الحر العاملي بابًا في "وسائله" عنونه بـ: "باب وجوب عشرة
_________________
(١) - متن الطحاوية بتعليق الألباني: (ص: ٦٠).
(٢) - مجموع الفتاوى: (٧/ ٦٨٥).
(٣) - المصدر السابق (١٢/ ١٨٠).
(٤) - جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١١).
(٥) - جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١٢).
(٦) جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١٢).
(٧) أمالي الطوسي: ١/ ٢٨٧، بحار الأنوار: ٧٢/ ٣٩٥.
[ ٧٥ / ٢٥ ]
العامَّة (أهل السُّنَّة) بالتَّقيّة (^١)
ولذا يقولون: عليكم بالتَّقيّة؛ فإنه ليس منا من لم يجعل شعاره ودثاره مع من يأمنه
لتكون سجيته مع من يحذره. يعني من (أهل السُّنَّة)، (^٢)
ومما يؤكد شيوع ذلك عندهم ما رواه -الكليني (ت: ٣٢٩ هـ) - في " الكافي":
عن أبي عبد الله أنه قال: خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية. (^٣) وهم يعنون بذلك (أهل السُّنَّة) قطعًا.
ويقولون أيضًا: خالطوا الناس (أهل السُّنَّة)، بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم. (^٤) ولاشك أن هذا هو النفاق بعينه.
والرافضة في البلاد التي يكثر فيها سواد أهل السُّنَّة يتعاملون بهذه العقيدة الباطنية
لأن ولاءهم لسادتهم الشِّيعة الإمامية في إيران.
وذلك- لارتباط التشيّع بإيران (^٥) منذ خمسة قرون، وبالتحديد منذ نشوء الدولة الصفوية سنة (١٥٠١ - ١٧٣٦ م)، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا أصبح الشيعة في العالم الإسلامي والعربي تبعًا لإيران سياسيًا ومذهبيًا، ولقد توالى على حكم إيران خلال خمسة قرون عدة دول شيعية؛ فمن بعد الدولة الصفوية جاءت الدولة الأفشارية (١٧٣٦ - ١٧٩٦ م) بقيادة نادر شاه، فالدولة القاجارية (١٧٩٤ - ١٩٢٥ م)، ثم الدولة البهلوية (١٩٢٥ - ١٩٧٩ م)، ودولة الخميني ١٩٧٩ م ليومنا هذا الموسومة زورًا وبهتانًا بـ (الجمهورية الإسلامية الإيرانية). (^٦)
أما عن صلاتهم تقيّة خلف أهل السنة فيقول صاحب بحار الأنوار:
من صلى خلف المنافقين (أهل السُّنة) تقيّة كمن صلى خلف الأئمة. (^٧)
قال الطوسي في "تلخيص الشافي"، عن أبي عبدالله أنه قال:
من صلَّى معهم (أهل السُّنة) في الصفِّ الأول، فكأنَّما صلى مع رسول الله - ﷺ - في الصف الأول. (^٨)
وأن من صلى معهم غفر له بعدد من خالفه، وأنه يحسب للمصلي معهم ما يحسب لمن صلى مع من يقتدى به (^٩)، وأن من يحضر صلاتهم كالشاهر سيفه في سبيل الله تعالى، وأن رسول الله - صلى الله عليه وآله- أنكحهم (^١٠)، وعليٌ صلى خلفهم، والحسن والحسين صليا خلف مروان، وأن من صلى معهم خرج بحسناتهم، وألقى عليهم ذنوبه، وأن الصلاة معهم بخمس وعشرين صلاة، وأن الإمامية مأمورون بأن لا يحملوا الناس على أكتافهم، بل يعودون مرضاهم ويشيعون جنائزهم ويصلون معهم، وإن استطاعوا أن يكونوا أئمتهم أو المؤذنين فعلوا، وأن الإمامية أحق بمساجدهم منهم. (^١١)
بل إن التَّقيّة تجري عندهم حتى وإن لم يوجد ما يبررها، فأخبارهم تحث
_________________
(١) - وسائل الشيعة، للحر العاملي: ١١/ ٤٧٠.
(٢) أمالي الطوسي: ١/ ٢٨٧، بحار الأنوار: ٧٢/ ٣٩٥.
(٣) الكافي: (٢/ ١٧٥)، المؤلف: محمد بن يعقوب الكليني (ت: ٣٢٩ هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ش المطبعة: حيدري، الناشر: دار الكتب الإسلامية - طهران - إيران، نهض بمشروعه محمد الآخوندي، سنة الطبع: ١٣٦٣ ش، عدد الأجزاء: ١٥.
(٤) - مجالس المفيد: ٨٥، بحار الأنوار: ٧٢/ ٤١٠.
(٥) - إيران كانت تسمّى "فارس" وشاه إيران رضا شاه بهلوي حوّل اسمها سنة ١٩٣٥ م إلى "إيران".
(٦) - حقائق مغمورة وأوهام منثورة، عبد العزيز بن صالح المحمود - باحث عراقي، الراصد: سلسلة الكترونية شهرية متخصصة بشؤون الفرق من منظور أهل السنة، العدد مائة وسبعة - جمادى الأولى ١٤٣٣ هـ. بتصرف يسير.
(٧) بحار الأنوار ٧٢/ ٤١٢.
(٨) - تلخيص الشافي، للطوسي: ٤/ ١٣١.
(٩) -المقتدى به في نحلتهم هو من يدعون إمامته، وهو مهديهم الغائب منذ سنة ٢٦٠ هـ إلى اليوم، والذي لا حقيقة له إلا في خيالاتهم، وأساطير معمميهم.
(١٠) يشير بذلك إلى تزويج رسول الله ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم - ﵄ - لعثمان ﵁، وأن ذلك وقع من رسول الله ﷺ على سبيل التَّقيّة بزعمهم، كما قالوا مثل ذلك في أمير المؤمنين علي ﵁ أنه زوج ابنته أم كلثوم لعمر ﵁ على سبيل التَّقيّة، كما أنه بايع بزعمهم أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ تقيّة، وجاهد معهم وصلى خلفهم ولم يخالفهم في شيء تقية، فما الحيلة مع من هذه عقيدته؟!.
(١١) - كشف الغطاء: (١/ ٢٦٥).
[ ٧٥ / ٢٦ ]
الشيعي على استعمال التَّقيّة مع من يأمن جانبه حتى تصبح له سجية وطبيعة، فيعتاد التعامل بها حينئذ مع من يحذره ويخافه بدون تكلف ولا تصنع،
فقد روت كتبهم: عليكم بالتَّقيّة، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجيته مع من يحذره. (^١) وقد مر معنا ذكر ذلك قبل قليل.
بل زادوا الطين بِلَّة (^٢) فقالوا:
من أتى مسجدًا من مساجدهم (أهل السُّنة) فصلى معهم خرج بحسناتهم. (^٣)
ولم يقفوا عند هذا الحد من الهراء والاستخفاف بعقول تابعيهم حتى أقنعوهم بأن:
-من- يدخل معهم (أهل السُّنة) في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتهم. (^٤)
وهؤلاء فيهم شبه من استخفاف فرعون بعقول قومه، كما قال تعالى في حق فرعون وقومه: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: ٥٤)
- و-المعنى: فاستخف جهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم. (^٥)
والآية تنطبق عليهم وعلى استخفافهم بعقول أتباعهم السذج، والذين يبيعون عليهم جوازات سفر عليها تأشيرة دخول إلى جنة الفردوس!!.
وعقائدهم الباطنية كما ترى تنسب لأهل البيت الكرام زورًا وبهتانًا، وقد جعلوهم ستارًا يخفون وراءه كل فعل قبيح، وينسبون إليهم كل اعتقاد فضوح.