يوضح أبو العباس القرطبي: (ت: ٦٥٦ هـ) الفرق بين المداراة والمداهنة في" المفهم" فيقول:
والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا. (^١)
ويبين أبو حامد الغَزَّالي: (ت: ٥٠٥ هـ) الفرق بين المدَاراة والمداهنة موافقًا للقرطبي فيقول - ﵀ -:
الفرق بين المدَاراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء؛ فإن أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظِّ نفسك، واجتلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن. (^٢)
ومن أجود ما قيل في المدارة قول أبي حاتم الرازي (ت: ٢٧٧) - ﵀ -:
الواجب على العاقل أن يلزم المدَاراة مع من دفع إليه في العشرة، من غير مقارفة المداهنة، إذ المدَاراة من المداري صدقة له، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه، والفصل بين المدَاراة والمداهنة هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة؛ لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم، بلزوم المدَاراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلَّق المرء بخلق، شابه بعض ما كره الله منه في تخلقه فهذا هو المداهنة؛ لأنَّ عاقبتها تصير إلى قلٍّ، ويلازم المدَاراة؛ لأنها تدعو إلى صلاح أحواله. (^٣)
وقال ابن القيم﵀: - المدَاراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما: أن المدَاراة تلطُّف الإنسان بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، وأما المداهن، فهو الذي يتلطَّف مع صاحبه ليُقرَّه على ذنب أو يتركه على هواه، فالمدَاراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النفاق، وقد ضُرِب لذلك مثلٌ من أروع
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، القرطبي: (٦/ ٥٧٣).
(٢) - يُنظر: إحياء علوم الدين، لأبي حامد للغزالي (٢/ ١٨٢).
(٣) - يُنظر: روضة العقلاء، لابن حبان البستي (ص ٧٠).
[ ٧٥ / ٣١ ]
الأمثلة، وذلك كرجل أصابته قرحة في قدمه، فجاء الطبيب الرفيق، فأخذ يُعالج هذه القرحة، ويُخرج ما فيها، ثم إذا به يضع الدواء الذي يُنبت اللحم، ثم يتعاهدها، ثم يضع عليها المراهم حتى ينشفها، ثم يضع عليها خرقةً، فلا يزال يُتابع هذا وهذا حتى نشفت رطوبتها، وأما المداهن فهو الذي أتى إلى صاحب هذه القرحة وقال: لا بأس عليك، إنما هي شيء يسير، واسترها عن عيون الناس بخرقة وتلهَّى عنها، فلا يزال يزداد شرُّها وتكثر عفونتُها حتى يهلك. (^١)
وقال ابن حِبَّان البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) - ﵀: -
والمدَاراة التي تكون صدقة للمُداري هو تخلُّق الإنسان بالأشياء المستحسنة مع من يدفع إلى عشرته، ما لم يشُبْها معصية الله، والمداهنة هي استعمال المرء الخصال التي تستحسن منه في العشرة، وقد يشوبه ما يكره الله تعالى. (^٢)
ويجلي ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) الفرق بين المداراة والمداهنة- حكمًا- فيقول:
المدَاراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أنَّ المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسَّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمدَاراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. (^٣)
والمداراة شُرعت لسلامة الدين كما قال أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠ هـ) - ﵀: -
المدَاراة: أن تداري الناس على وجه يسلم لك دينك. (^٤)
ولذا يقول عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) - ﵁-: خالط الناس وزايلهم، ودينك لا تُكْلِمنَّه. (^٥) بمعنى لا تقربنَّه.
قال ابن مفلح الحنبلي (ت: ٨٨٤ هـ) في " الآداب الشرعية" - ﵀: -
وقيل لابن عقيل في فنونه:
أسمع وصية الله ﷿: (ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)
_________________
(١) - الروح؛ لابن القيم: (ص: ٢٣١).
(٢) - الآداب الشرعية؛ لابن مفلح: (٣/ ٤٦٩)، الآداب الشرعية، المؤلف: عبد الله محمد بن مفلح المقدسي; المحقق: شعيب الأرناؤوط - عمر القيام، الناشر: مؤسسة الرسالة، سنة النشر: ١٤١٩ - ١٩٩٩ م، ط: ٣.
(٣) يُنظر: فتح الباري، للحافظ ابن حجر العسقلاني: (١٠/ ٥٢٨).
(٤) -يُنظر: سراج الملوك، لأبي بكر الطرطوشي: (١١/ ٣٦).
(٥) - العزلة، للخطابي: (ص: ٩٩).
[ ٧٥ / ٣٢ ]
(فصلت: ٣٤)، وأسمع الناس يعدون من يظهر خلاف ما يبطن منافقًا، فكيف لي بطاعة الله تعالى والتخلص من النفاق؟.
فقال ابن عقيل: "النفاق هو: إظهار الجميل، وإبطان القبيح، وإضمار الشر مع إظهار الخير لإيقاع الشر، والذي تضمنتْه الآية: إظهار الحسن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن. فخرج من هذه الجملة أن النفاق إبطان الشر وإظهار الخير لإيقاع الشر المضمر، ومن أظهر الجميل والحسن في مقابلة القبيح ليزول الشر: فليس بمنافق، لكنه يستصلح، ألا تسمع إلى قوله ﷾: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: ٣٤)، فهذا اكتساب استمالة، ودفع عداوة، وإطفاء لنيران الحقائد، واستنماء الود، وإصلاح العقائد، فهذا طب المودات، واكتساب الرجال. (^١)
وعن الفرق بين المداراة والمداهنة يقول الحافظ ابن حجر﵀-:
وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغَلِطَ؛ لأن المداراة مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرَّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه. فالمداهنة فسرها العلماء بأنها:
معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.
والمداراة فسروها بأنها:
هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وتركُ الإغلاظِ عليه حيث لا يُظهِر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. (^٢)
والمدارة دلالة على العقل، ولذا كان الحسن البصري يقول: كانوا يقولون: المدَاراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلُّه. (^٣)
ويقول ﵀ أيضًا عن خلق المؤمن في المداراة: المؤمن يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قبلت حمد الله، وإن ردت حمد الله. (^٤)
والخلط بين المداراة والمداهنة، وجعلهما في رتبة واحدة، أوقعنا في كثير من المشكلات، وفوت علينا جملة من القضايا النافعات، وسلط علينا مجموعة من المفردات المهلكات، وبصراحة، شاعت في أوساطنا لغة المدح والثناء، لمن كان جافًا غليظًا حتى مع خلَص إخوانه، فضلًا عن الناس، وأبناء المجتمع، على أنه شجاع، وصريح، وقوال للحق، والذي في قلبه على لسانه، إلخ. أما الأخ الذي يداري إخوانه وأبناء مجتمعه، على ضوء فقه ما ذكرنا، فهذا (مطبطب) لا يواجه، سلبي إلخ. وهذا والله خطأ كبير، (إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِنْ شيءٍ إلَّا شانَهُ). (^٥)، والحكم الفصل، هو منهج التفرقة، بين المداراة والمداهنة، وهو الفقه الصحيح. (^٦)
ولعل فيما ذكر من إيجاز في هذا الباب ما يغني عن كثير من الإطالة والإطناب.
خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة: