ممن قصد الرواية عنه؛ كما في حديث البخاري (^١) من طريق علقمة قال: "كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا نزلت (^٢)! فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه ". ورواه مسلم (^٣) من وجه آخر عن علقمة: "عن عبد الله قال. كنتُ بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأتُ عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أنزلت ".
فإن لم يكن التصرف من الرواة، فالجمع بين الروايتين: أن علقمة كان مع عبد الله بن مسعود بحمص، ولكنه لم يشهد القصة، وإنما سمعها من عبد الله؛ ولما كان المقصود الرواية عنه هو [١/ ٨٢] عبد الله لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة. وهكذا ما في قول معاذة: "أنّ امرأة سألَتْ " من إيهام أن السائلة غيرها، فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه.
والسرُّ في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه. ومَن شكّ في هذا لزمه أن يشكّ في اتصالِ قولِ ثقةٍ غيرِ مدلِّس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: "طار غراب، فقال ابن المبارك "، أو "هبت ريح، فقال ابن المبارك "، وهذا لا سبيل إليه، فكذا ذاك. والله الموفق.
المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب "العنعنة"، مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي لفظ مَن دونه. وذلك
_________________
(١) (٥٠٠١).
(٢) في البخاري: "أنزلت".
(٣) (٨٠١).
[ ١٠ / ١٤١ ]
كما لو قال هَمَّام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام، لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا"، وهي من قول همّام. ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول: " عن فلان" وإنما يقول: حدثنا أو أخبرنا أو قال أو ذَكَر أو نحو ذلك. وقد يبتدئ فيقول: "فلان .. " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من "فتح المغيث" (^١) وغيره. ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال" في أثناء الإسناد قبل "حدثنا" و"أخبرنا". وذلك في نحو قول البخاري: "حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد". وكثيرًا ما تُحذَف، فيزيدها الشرّاح أو قرّاء الحديث، ولا تثبت قبل كلمة "عن". وتصفَّح إن شئت "شرح القسطلاني على صحيح البخاري" فبهذا يتضح أنه في قول همام: "حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرَى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: "حدثني أنس"، أو "قال أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "سمعتُ أنسًا"، أو غير ذلك من الصِّيَغ التي تصرِّح بسماعه من أَنَس أو تحتمله. لكن لا يحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس"، إذ لو قال هكذا لزم همامًا أن يحكي لفظه أو معناه كأن يقول: "حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس"، وإلا كان همام مدلّسًا تدليس التسوية، وهو قبيح جدًّا، وإن خفَّ أمره في هذا المثال؛ لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد (^٢).
والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يُعرف بتدليس التسوية: "حدثني
_________________
(١) (١/ ٢١٢).
(٢) رقم (٧١).
[ ١٠ / ١٤٢ ]
عبد العزيز بن صهيب عن أنس" كان متصلًا، لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلّس، مع أننا لا ندري كيف قال [١/ ٨٣] عبد العزيز، فقد يكون قال: "قال أنس"، أو "ذكر أنس"، أو "حدَّث أنس"، أو ابتدأ فقال: "أنس". فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها. وقد صرَّحوا بذلك كما تراه في "فتح المغيث" (ص ٦٩) (^١) وغيره.
وما ذكروه (^٢) من الخلاف في كلمة "أنّ" إنما هو في نحو أن يجيء "عن عبد العزيز أنّ أنسًا سأل النبيَّ ﵌". ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك. ومَن حَمَله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس، فكأنه قال: "حدثني أنس أنه سأل النبيَّ ﵌ .. ". وفي هذا المثال لا مزيَّة لكلمة "أن"، بل لو قال عبد العزيز: "سأل أنسٌ النبيَّ صلى الله عليه .. " لكان هذا كقوله: "عن عبد العزيز أن أنسًا سأل ". بل إن كلمة "أنّ" في المثال ليست من لفظ عبد العزيز، وإنما هي من لفظ الراوي عنه، فقوله: "حدثني عبد العزيز أنّ أنسًا سأل" إنما تقديره: "حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل"، وقد يكون عبد العزيز قال: "سأل أنس"، وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم.
انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني في التراجم.
_________________
(١) (١/ ١٩٦ - ١٩٧).
(٢) انظر "فتح المغيث": (١/ ١٩٧ - ١٩٨).
[ ١٠ / ١٤٣ ]