وأن ما كان من هذا الضرب، فحقه أن لا يُعتدَّ به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق.
الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يُخشى فيه الخطأ. وأئمة الحديث عارفون، [١/ ٥٥] متبحرون، متيقظون يتحرَّزون من الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك. ومهما بلغ الحاكِم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدة، فترى أن الذي سمعت منه هو فلان، وأن الخبر الذي سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبِرَ تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر، فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره. وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره. وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك.
وغالب الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت. فمن الظنون المعتدّ بها: ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة. ومنها: ما ضابطه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّبَ النفس منشرحَ الصدر. [والنفوس تختلف في المعرفة والتوقي والتثبُّت] (^١) فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزم. وهذا هو الذي يطعن
_________________
(١) ما بين المعكوفين استدركناه من "تعزيز الطليعة" (ص ١٧٩).
[ ١٠ / ٩١ ]
أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: "يحدث على التوهم ــ كثير الوهم ــ كثير الخطأ ــ يهم ــ يخطئ". ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبُّت.
كان في اليمن في قَضاء الحُجَرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون، وكنت أحضر مع أخي، فلاحظتُ أن ذلك القاضي ــ مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى ــ لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: "في حفظي كذا، في ذهني كذا" ونحو ذلك. فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح.
وفي ثقات المحدّثين مَن (^١) هو أبلغ تحرّيًا مِن هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشكِّ فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال.
روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشكُّ فيه. فقال شعبة: شكُّك أحبُّ إليَّ من يقين غيرك (^٢).
وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعته" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت (^٣). وعن شعبة قال: "شكُّ ابنِ عون وسليمانَ التيمي يقين" (^٤).
وذكر يعقوبُ بن سفيان حمادَ بن زيد، فقال: معروف بأنه يقصر في
_________________
(١) (ط): "مع" خطأ.
(٢) انظر "تهذيب التهذيب": (١/ ٣٤٩).
(٣) "الجرح والتعديل": (٥/ ١٣١).
(٤) "تهذيب التهذيب": (٤/ ١٧٦).
[ ١٠ / ٩٢ ]
الأسانيد، ويوقف المرفوع، [١/ ٥٦] كثير الشك بتوقّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه (^١).
وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السِّلَفي: سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب فقال: "جبل، لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله. وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه" (^٢).
وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر ــ وإن كان ضعيفًا عنده ــ ثم اطلع على ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه وما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها. والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها. وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله. فالنفس بمنزلة المحامي عند ما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحَاكم.
والعالم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمر ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه. فلا يؤمَن أن يقوَى عند العالم جرحُ مَن
_________________
(١) "تهذيب التهذيب": (٣/ ١١).
(٢) "كتاب الأربعين" (ص ٥٣٧) لعلي بن المفضل، و"السير": (١٨/ ٥٧٥).
[ ١٠ / ٩٣ ]