إنها قنطرة اللادينية (^١)! كما يقول بعض سلفه من المتكلّمين: إن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله ﷿ ونحوها صريحة في الباطل مع علم الله ﷿ ورسوله بالحق في نفس الأمر، ولكن دعت إلى ذلك مصلحةُ اجترار العامة إلى قبول الشريعة العملية (^٢)! فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح، وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة ــ وهي الغضّ من أبي حنيفة وأصحابه ــ كذابون ومتهمون، وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للإجماع فيما نعلم.
نعم، [١/ ٣٧] هناك أمور قد يتشبَّث بها في دعوى اجتماع التهمة والعدالة، وقد أشار الأستاذ إلى بعضها، وسأكشف عنها إن شاء الله.
وينبغي أن يُعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدّثين: "فلان متهم بالكذب". وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحَمْل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمَّد الكذبَ، أم غلِط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنُّه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن
_________________
(١) للكوثري مقال بهذا العنوان ضمن "مقالاته" (ص ١٠٦).
(٢) ترى الكلام عن ذلك في الاعتقاديات [ص] إن شاء الله تعالى. [المؤلف]. وانظر "الحموية" (ص ٢٦٧ - ٢٦٨) لشيخ الإسلام.
[ ١٠ / ٦٠ ]
يجزم به. فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب"، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعضُ المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرَّد به، فيجد له بعضُ أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح. فأما مَن وثَّقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذِّبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيَّأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرَّد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني (^١) الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به. بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذَّبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (^٢)، وترجمة محمد بن سعيد البورقي (^٣)؛ وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك، فيصدِّق من كذَّبه الأئمة وكذبُه واضح، كما يكذِّب أو يتَّهم من صدَّقوه وصدقُه ظاهر، شأنَ المحامين في المحاكم، معيارُ الحق عند أحدهم مصلحةُ موكِّله!
هذا، والأستاذ فيما يهوِّل بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح،
_________________
(١) كذا في (ط) وأخشى أن تكون مصَحّفة.
(٢) رقم (٣٤).
(٣) رقم (٢٠٧).
[ ١٠ / ٦١ ]
حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، [١/ ٣٨] فالدعوى غير صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق.
الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس" (^١): "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على هذا كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس (^٢). فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره (^٣) أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذلك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي:
_________________
(١) (ص ١٥٠٧ - الرسالة).
(٢) (ص ٤٣ - ٥٠).
(٣) كذا في (ط) بفتح الهمزة في الأولى وكسرها في الثانية.
[ ١٠ / ٦٢ ]
شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ فزعتُ منه بآمالي إلى الكذِبِ (^١)
حتى إذا لم يَدَعْ لي (^٢) صدقُه أملًا شرِقتُ بالدمع حتى كاد يشرَقُ بي
وكأنه أخذه من قول الأول (^٣):
إنّي أتَتني لِسانٌ ما أُسَرُّ بها من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءَتْ مُرَجَّمَةً قد كنتُ أَحْذَرُها لو كان يَنفعُني الإشفاقُ والحَذَرُ
تأْتي على النّاس لا تَلوي على أَحدٍ حتى أتَتْنا، وكانت دوننا مُضَرُ
إذا يُعَادُ لها ذِكْرٌ أُكَذِّبُهُ حتى أتَتْني بِهَا الأنْبَاءُ وَالخَبَرُ
وجماعة من الصحابة روى كلٌّ منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقَّت الأمةُ ذلك بالقبول. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذمِّ الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول. وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبارَ الرجل منهم بثناء [١/ ٣٩] غيره عليه، فيتلقى أهل ذلك بالقبول. وقبلوا من الثقة دعواه ما يمكن من صحبته للنبي ﵌، أو لأصحابه، أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك، مما فيه فضيلة للمدعي،
_________________
(١) كذا في (ط). والرواية: "طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه ". انظر: شرح الواحدي لديوان المتنبي (٦٠٨) وغيره.
(٢) (ط): "إلى".
(٣) هو أعشى باهلة. والأبيات بهذه الرواية في جمهرة أشعار العرب ــ طبعة البجاوي (٥٦٨ - ٥٦٩). وانظر طبعة الهاشمي (٧١٤) والأصمعيات (٨٨).
[ ١٠ / ٦٣ ]