يوافقه غيره.
وفصَّل الخطيبُ ــ فيما نقله عنه العراقي والسخاوي (^١) ــ قال: "إن كان الذي يرجع إليه [في الجرح] عدلًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح [١/ ٦٠] وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك؛ قُبِلَ قوله فيمن جَرَحه مجملًا، ولا يُسأل عن سببه" (^٢). يريد أنه إذا كان عارفًا باختلاف الفقهاء، فالظاهر أنه لا يُجرَح إلا بما هو جرح باتفاقهم.
وأقول: لا بدّ من الفرق بين جرح الشاهد وجرح الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالف الجرح، وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه. فأما الشاهد فله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يكون (^٣) قد ثبتت عدالتُه في قضية سابقة وقضى بها القاضي، ثم جُرح في قضية أخرى.
الثانية: أن لا يكون قد ثبتت عدالتُه، ولكن سئل عنه عارفوه، فمنهم من عدَّله، ومنهم من جَرّحه.
الثالثة: أن لا يكون قد ثبتت عدالته، وسئل عنه عارفوه، فجرَّحه بعضهم، وسكت الباقون.
_________________
(١) انظر "شرح العراقي للألفية" (ص ١٥١)، و"فتح المغيث": (٢/ ٢٨).
(٢) كلام الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠١). وما بين المعكوفين منه ومن المصادر التي عزا إليها المؤلف.
(٣) (ط): "تكون" وكذا في الموضع الثاني. والصواب بالياء كما في الموضع الثالث.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبل شهادة من لم يعدَّل، فأي فائدة في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها فلضعفها يكفي الجرح المجمل.
وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه. وإذا كان القاضي متمكِّنًا من الاستفسار لحضور الجارح عنده، أو قُرْبه منه، فينبغي أن يستوفيه على كل حال؛ لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة وأدْفَع للتهمة.
وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرح مجمل ولو مع بيان السبب، بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل.
وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه من أوجه:
الأول: أن الذين تكلّموا في الرواة أئمة أجلّة، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها.
الثاني: أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكّام، وقد قال الفقهاء: إن المنصوب لجرح الشهود يُكتفى منه بالجرح المجمل.
الثالث: أن القاضي متمكّن من استفسار جارح الشاهد كما مرّ، والذين جرحوا الرواة [١/ ٦١] يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسرهم أصحابهم، ولم يبقَ بأيدي الناس إلا نقل كلامهم، ولم يزل أهل العلم يتلقّون كلماتهم ويحتجون بها.
وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال: "ولقائل أن يقول:
[ ١٠ / ١٠١ ]
إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث وقلَّما يتعرّضون [فيها] لبيان السبب، بل يقتصرون على "فلان ضعيف"، و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك ، فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك، وسدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر. وجوابه: أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقَّفْنا عن قبول حديث مَن قالوا فيه مثل ذلك، بناءً على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قويةً يُوجِب مثلُها التوقّف. ثم مَن انزاحت عنه الريبة منهم ببحْثٍ عن حاله أوجبَ الثقة بعدالته قبِلنا حديثه، ولم نتوقف؛ كالذين احتج بهم صاحبا "الصحيحين" وغيرهم (^١) ممن مسَّهم مثل هذا الجرح من غيرهم. فافهم ذلك، فإنه مَخْلَص حسن" (^٢).
وتبعه النووي في "التقريب" (^٣) و"شرح صحيح مسلم" (^٤) ولفظه هناك: "على مذهب من اشترط في الجرح التفسيرَ نقول: فائدة الجرح فيمن جُرِحَ مطلقًا أن يتوقّف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح ".
وذكر العراقي في "ألفيته" و"شرحها" (^٥) بعض الذين أشار ابن الصلاح إلى أن صاحبي "الصحيحين" احتجَّا بهم وقد جُرِحوا، فذكر ممن روى له البخاري: عكرمةَ مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق الباهلي، وممن روى
_________________
(١) في "المقدمة": "وغيرهما".
(٢) "مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٠٨ - ١٠٩).
(٣) (١/ ٣٦٠ - ٣٦١ - مع تدريب الراوي).
(٤) (١/ ٦٢).
(٥) (ص ١٤٨ - ١٤٩).
[ ١٠ / ١٠٢ ]