معروفة. والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظنّ أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به، جاز الخروج، وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب مَن اعتبر بالتاريخ، وكان كثيرَ المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق.
وأما حال أبي إسحاق في الرواية، فنبدأ بتلك الكلمة: «كثير الخطأ في حديثه». هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد، وابن قتيبة، وابن النديم. فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم. وإنما فنّ ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب. وابن النديم رافضيّ ورَّاق، فنُّه معرفة أسماء الكتب التي كان يَتَّجِر فيها؛ وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد.
وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب (^١) في ترجمته: أن مصعبًا الزبيري قال لابن معين: «حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا» فقال ابن معين: «كذَب». [١/ ٩٥] واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: «محمد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه ..». وقال أبو حاتم: «يصدق» (^٢).
ووفاة ابن سعد سنة ٢٣٠، فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكًا واضحًا، وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يتردَّدون، وهو مُكثر من الحديث
_________________
(١) (٥/ ٣٢١).
(٢) «الجرح والتعديل»: (٧/ ٢٦٢).
[ ١٠ / ١٦٦ ]
والشيوخ، وعنده فوائد كثيرة؛ ومع ذلك لم يُخرجوا عنه شيئًا، إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد ــ وستأتي ترجمته (^١) ــ عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: «يقولون: قبيصة بن وقّاص له صحبة» (^٢). وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر، ولا ترفعُ حكمًا ولا تضعُه.
والأستاذ كثيرًا ما يتشبَّث في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر، كما تقدّم في ترجمة إبراهيم بن شَمَّاس. فأما ابن سعد، فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه.
وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: «الإمام»، ولم يقتصر عليه بل قال: «الإمام الكبير»، وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة، فإنه ذكره في موضعين من «الطبقات» (ج ٦ ص ٢٥٦) (^٣) و(ج ٧ قسم ٢ ص ٦٧) (^٤) وقال في كلا الموضعين: «وكان ضعيفًا في الحديث» ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق، فلم يقل: «ثقة»، ولا «فاضل»، ولا «صاحب سنة»!
ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حدِّ أن يُقبَل منه تليينُ مَنْ ثبَّته غيرُه، على أنه في أكثر كلامه إنما
_________________
(١) رقم (٢٥).
(٢) هذه العبارة ذكرها المزي في «تحفة الأشراف»: (٨/ ٢٧٦)، و«تهذيب الكمال»: (٦/ ٩٩)، وليست في «سنن أبي داود» عند حديث قبيصة (٤٣٤).
(٣) (٨/ ٤٨٩).
(٤) (٩/ ٣٢٤).
[ ١٠ / ١٦٧ ]
يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف. وفي «مقدمة الفتح» (^١) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح: «شذَّ ابن سعد فقال: منكر الحديث. ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا، فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد». وفيها (^٢) في ترجمة مُحارب بن دِثار: «قال ابن سعد: لا يحتجّون به. قلت: بل احتجَّ به الأئمة كلُّهم ولكن ابن سعد يقلِّد الواقدي». وفيها (^٣) في ترجمة نافع بن عمر الجمحي: «قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر، لاعتماده على الواقدي».
وقد ردَّ الأستاذ (ص ١٦٨) قول إمام النقَّاد عليِّ ابن المديني في أبي حنيفة: «روى خمسين حديثًا أخطأ فيها». فقال الأستاذ: «لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب، [١/ ٩٦] وهو على كل حال جرح غير مفسَّر».
وذكر (ص ١٥٨) قول ابن أبي داود: «إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه». فقال الأستاذ: «فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافًا من غير أن يبيّن ما هو خطؤه، وفي أي حديث كان ذلك الخطأ».
وذكر الأستاذ (ص ٩٠) قول ابن حبان (^٤) في أبي حنيفة: «كان أجلَّ في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من
_________________
(١) (ص ٤١٧).
(٢) (ص ٤٤٣).
(٣) (ص ٤٤٧).
(٤) عزا الكوثري هذا النقل إلى «الضعفاء» لابن حبان، ولم أجد في ترجمته في «المجروحين»: (٣/ ٦٣) هذه العبارة بهذا النص بل بنحوها.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم. حدَّث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلَبَ إسنادها أو غيَّر متنها». فأجاب الأستاذ جوابًا إجماليًّا يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان (^١) إن شاء الله.
يدفع الأستاذ هذه النصوصَ وأضعافَها بأنها لم تفسَّر، ويتشبث في الغضِّ من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولًا أن ينطح بها ذلك الجبل الشامخ! وإذ قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها، فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (^٢):
أما ثقته، فقال ابن معين: «ثقة ثقة». وقال أبو حاتم: «الثقة المأمون الإمام». وقال النسائي: «ثقة مأمون أحد الأئمة». ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة والناس.
وأما فقهه، فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلًا أفقه من أبي إسحاق الفزاري». وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: «لَقول أبي إسحاق أحبُّ إليَّ من قول إبراهيم النخعي».
وأثنى عليه آخرون في الفقه.
وأما معرفته بالسير، فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه». وقال الخليلي: «أبو إسحاق يقتدى به
_________________
(١) رقم (٢٠٠).
(٢) من «تقدمة الجرح والتعديل» [١/ ٢٨١] لابن أبي حاتم و«تذكرة الحفاظ» [١/ ٢٧٣] الذهبي و«تهذيب التهذيب» [١/ ١٥١]. [المؤلف].
[ ١٠ / ١٦٩ ]
وهو صاحب «كتاب السير». نظر فيه الشافعي وأملى كتابًا على ترتيبه ورَضِيَه». وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنِّف أحد في السير مثله».
وأما إمامته وفضله، فقال سفيان بن عيينة: «كان إمامًا». وقال أيضًا: «والله ما رأيت [١/ ٩٧] أحدًا أقدِّمه عليه». وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقتُ إلى المَصِّيصة، وما بي فضل الرباط، بل لأرى أبا إسحاق». وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفَزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شاميًّا يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئنّ إليه، كانا إمامين في السنة». وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي ﵌ في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري».
والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية.
فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض».
وقال الأستاذ (ص ٦٦) في شأن أبي إسحاق: «حاله في عِلْمه كما علمت، وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين، فرفعوه إلى غير مرتبته»!
أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخطَ الذي يصوِّره الأستاذ، فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال: إنه راض
[ ١٠ / ١٧٠ ]
عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كُسَير وعُوَير، وثالث ما فيه خير!
وقال الأستاذ (ص ٧٧): «قال الحافظ (؟) ابن أبي العوّام: حدثني سمعت إسماعيل بن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة، فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المَصِّيصة - لم يحدِّث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء، ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك».
أقول: إن صحت هذه الحكاية، فإنما تدلُّ على أدب كل من الإمامين مع صاحبه، وحُسْن اعتقاده فيه. ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة، ويحكي عنه ما لم يكن، ويتكلم فيه بالهوى؛ ما ساغ لابن المبارك أن يسكت.
وإن تعجب فعجبٌ ما في التعليق على صفحة (٣٨٧) من المجلد (١٣) من «تاريخ بغداد» (^١)، ونص ذلك: «أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث، وهذان الخبران من مناكيره». أما إني لا أكاد أصدِّق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره! وقريب من هذا ما يأتي في [١/ ٩٨] ترجمة صالح بن أحمد (^٢)، فإن القضية التي كشفتُ عنها في «الطليعة» (ص ١٢) (^٣) يعتذر عنها الأستاذ في «الترحيب» (^٤) بأنه قد سبقته إليها اللجنة
_________________
(١) لم نجد هذا التعليق في الطبعة الثانية من التاريخ، وقد تقدم (ص ٣٧٦) في التعليق قوله: «وفي الروايتين أبو إسحاق الفزاري، وهو منكر الحديث». وجاء في (ص ٤٠١) قوله: «في هذه الروايات أبو إسحاق الفزاري، وقد تقدَّم القول في ضعفه».
(٢) رقم (١٠٩).
(٣) (ص ٥ - ١١).
(٤) (ص ٣٢١ - مع التأنيب).
[ ١٠ / ١٧١ ]
الأزهرية. والله المستعان.