وسياق كلام ابن حجر ــ ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني ــ يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا، أو رد ذاك الحديث وسائر روايات راويه، وذلك لأمور، منها: أن ابن حجر صرَّح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قدَّم أن العلة في الداعية هي "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه". ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته ــ كما تقدم ــ فيردّ مطلقًا. ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى، لأن الداعية يردّ مطلقًا، وإن لم يَروِ ما يوافق بدعته، وهذا قد روى.
هذا، وقد وثَّق أئمة الحديث جماعةً من المبتدعة، واحتجوا بأحاديثهم، وأخرجوها في الصحاح. ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرُه بدَعَهم. وأهلُ العلم يتأوّلون تلك [١/ ٥١] الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها، ولا في راويها بروايته لها (^١). بل في رواية جماعة منهم
_________________
(١) كحديث مسلم [٧٨] من طريق الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر قال: قال علي: "والذي فَلَق الحبة وبرأ النَّسَمة، إنه لعهد النبي الأمي - ﷺ - إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق". عديّ قال فيه ابن معين: "شيعي مفرط". وقال أبو حاتم: "صدوق وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم". وعن الإمام أحمد: "ثقة إلا أنه كان يتشيع". وعن الدارقطني: "ثقة إلا أنه كان غاليًا في التشيع". ووثقه آخرون. ويقابل هذا رواية قيس بن أبي حازم عن عَمرو بن العاص: عهد النبي - ﷺ - جهارًا غير سرٍّ يقول: "ألا إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، إن لهم رحمًا سأبلها ببلالها". ورواه غندر عن شعبة بلفظ: "إن آل أبي " ترك بياضًا، وهكذا أخرجه الشيخان. وقيس ناصبي منحرف عن علي ﵁. ولي في هذا كلام. [المؤلف].
[ ١٠ / ٨٤ ]
أحاديث ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلا أن لها عللًا أخرى. ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعَّفها أهل العلم، بعضها بضعف بعض مَن فوق الأعمش في السند، وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس. ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨) (^١) ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.
هذا، وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمَن منه ما ينافي العدالة. فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوّي بدعته، ولو لم يكن داعية، وجب أن لا يُحتج بشيء مِن مرويات مَن كان كذلك، ولو فيما يوهن بدعته؛ وإلاّ ــ وهو الصواب ــ فلا يصح إطلاق الحكم، بل يدور مع العلة. فذاك المروي المقوِّي لبدعة راويه إما غير منكر، فلا وجه لرده، فضلًا عن ردّ راويه. وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف. فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة، كرميه بتعمّد الكذب أو اتهامه به، سقط البتة. وإن اتجه الحمل على غير ذلك، كالتدليس المغتفَر والوهم والخطأ، لم يجرح بذلك. وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول مَن هو أعرف منه، أو وقف. وقد مرَّ أوائلَ القاعدة الثانية (^٢) بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر، فلا تغفل.
_________________
(١) (٢/ ٨٠٢ - ط الرشد) والصحيح أنه التاريخ الأوسط طبع خطأ باسم "الصغير".
(٢) (ص ٦١).
[ ١٠ / ٨٥ ]
[١/ ٥٢] وبما تقدم يتبين صحةُ إطلاق الأئمة قبولَ غير الداعية إذا ثبت صلاحُه وصدقه وأمانته. ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيهًا على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول، وهو ثبوت العدالة.
هذا كله تحقيق للقاعدة. فأما الأستاذ، فيكفينا أن نقول له: هب أنه اتجه أن لا يقبل من المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته، فغالب الذين طعنتَ فيهم هم من أهل السنة عند مخالفيك وأكثر موافقيك، والآراء التي تعدُّها هوى باطلًا، منها ما هو عندهم حق، ومنها ما يسلِّم بعضهم أنه ليس بحق ولكن لا يعدُّه بدعة. وسيأتي الكلام في الاعتقاديات والفقهيات، ويتبين المحقّ من المبطل إن شاء الله تعالى. وفي الحق ما يُغنيك لو قنعتَ به، كما مرت الإشارة إليه في الفصل الثاني. ومن لم يقنع بالحق أوشكَ أن يُحرَم نصيبَه منه، كالراوي يروي أحاديثَ صادقةً موافقةً لرأيه، ثم يكذب في حديث واحد، فيفضحه الله تعالى، فتسقط أحاديثه كلُّها! ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
* * * *
[ ١٠ / ٨٦ ]