المواضع بعض الاختلاف. وقع مثل هذا للدارقطني في "سننه" (^١) وغيرها، وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم (^٢). وقد يُنْقَل الحكم الثاني أوالثالث وحده، فيتوهم أنه حكمٌ مُطْلق.
الثامن: ينبغي أن يُبْحَث عن معرفة الجارح أو المعدِّل بمن جرَّحه أو عدَّله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستُهم له وتمكَّنت معرفتُهم به، بل قد يتكلم أحدُهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيءٌ من حديثه، وفيمن كان قبله بمدّة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاريَّ سمَّاه في "تاريخه" من القدماء وإن لم يَعرف ما روى، وعمّن روى، ومَن روى عنه. ولكن ابن حبان يشدّد، وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا. والعجليُّ قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد.
وابنُ معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثّقون مَن كان من التابعين أو أتباعهم، إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو
_________________
(١) كما في (١/ ٦٢ و٣/ ١٣٥) عند ذكر إبراهيم بن أبي يحيى، و(١/ ٣٢٠ و٤/ ٩٦) عند ذكر إسحاق بن أبي فروة وغير ذلك.
(٢) رقم (١٦٤).
[ ١٠ / ١١٣ ]
شاهد (^١)، وإن لم يرو عنه إلّا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث [١/ ٦٧] واحد. فممن وثّقه ابنُ معين مِن هذا الضّرْب: الأسقع بن الأسلع، والحَكَم بن عبد الله البلَوي، ووهب بن جابر الخَيواني وآخرون. وممن وثقه النسائيُّ: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
وقد روى العوّام بن حَوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص حديثًا (^٢). ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثَّقهما ابن معين (^٣). وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرة، عن سمرة بن جندب حديثًا (^٤). ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثَّقه ابن معين (^٥)، مع أن الحديث غريب وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (ج ٣ ص ٢٤٨).
ومن الأئمة من لا يوثِّق مَن تقدَّمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثُر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت مَلَكة لذاك الراوي. وهذا كله يدل على أن جلَّ اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سَبْر حديث الراوي. وقد صرّح ابنُ حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة،
_________________
(١) (ط): "مشاهد" خطأ.
(٢) الحديث أخرجه أحمد (٦٥٣٨، ٦٩٢٩)، والنسائي في "الكبرى" (٨٤٩٨)، وغيرهما.
(٣) كما في رواية الدارمي (ص ٦٥ و٨٨).
(٤) الحديث أخرجه أحمد (٢٠٠٨٧)، وأبو داود (١٠٥٣، ١٠٥٤)، والنسائي (١٣٧٢) وغيرهم.
(٥) في رواية الدارمي (ص ١٩١).
[ ١٠ / ١١٤ ]
حتى يتبين منهم ما يوجب القدح. نص على ذلك في "الثقات" (^١). وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٤) (^٢) واستغربه. ولو تدبَّر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبَّع أحدُهم أحاديثَ الراوي، فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط، ولَم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه= وثَّقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف (^٣) وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره.
وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سئل عن الشيخ= وثَّقه. وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك، أو يخلِّط بعد ذلك. ذكر ابن الجنيد (^٤) أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي، فقال: "ما كان [١/ ٦٨] به بأس". فحكى له عنه أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ
_________________
(١) (١/ ١١ - ١٣).
(٢) (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٣) يشير إلى ابن حبان، فإنه قد يوثق الرجال بإيراده إياه في الكتاب المذكور "الثقات" مع أنه لا يعرفه. ويؤيد ذلك أنني رأيته قال في بعض المترجمين عنده: "لا أعرفه، ولا أعرف أباه"! وعلى مثل هذا التوثيق أقام كتابه "الصحيح" المعروف به، فاحفظ هذا، فإنه مهم، لم يتنبه له إلا أهل التحقيق في هذا العلم الشريف، منهم المصنف ﵀ وجزاه خيرًا، كما تقدم (وانظر كلامه الآتي في آخر الصفحة التالية: الأمر التاسع) وقد بسطت القول في هذه المسألة في "الرد على التعقيب الحثيث" (ص ١٨ - ٢١) فليراجع. [ن].
(٤) "سؤالاته" (ص ٨٨٧). وانظر "تراجم منتخبة" رقم (٢٦٧) للمؤلف.
[ ١٠ / ١١٥ ]
روى هذا فهو كذّاب، وإلا فإني رأيت الشيخ مستقيمًا". وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" (^١). وقد كذَّبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة". وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة" (^٢).
وهكذا يقع في التضعيف، ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره، وقد يكون له عذر.
ورد ابنُ معين مصر، فدخل على عبد الله بن [عبد] الحكم، فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعدَّ جماعةً روى عنهم قصة. فقال ابن معين: "حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه وبعضُهم ببعضه؟ " فقال: "لا، حدثني جميعُهم بجميعه"، فراجعه، فأصرَّ. فقام يحيى، وقال للناس: "يكذب" (^٣).
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلًّا منهم حدَّثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم. وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلًّا منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذَّبه في ذلك. وقد أساء الساجيُّ إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: "كذّبه ابنُ
_________________
(١) هذه رواية ابن أبي خيثمة عنه، نقلها عنه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (٨/ ٦٥) وغيره. وهذه من مفردات ابن أبي خيثمة عن يحيى، فكل الرواة عن يحيى على تضعيفه بل تكذيبه؛ ففي رواية الدوري (٣٠٨٢): "ذَكَر محمد بن القاسم فلم يرضه"، وفي رواية ابن الجنيد (٥٣٤): "ليس بشيء"، وفي رواية ابن محرز (٣): "ليس بشيء، كان يكذب، قد سمعت منه".
(٢) انظر "تهذيب التهذيب": (٩/ ٤٠٧).
(٣) "تهذيب التهذيب": (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ١٠ / ١١٦ ]