يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالتُه.
وإلى هذا أشار مسلم في "مقدمة صحيحه" (^١) إذ قال: "اعلم ــ وفقك الله ــ أن الواجب على كلّ أحدٍ عرفَ التمييزَ بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عَرف صحة مخارجه والسِّتارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان [منها] عن أهل التُّهَم والمعاندين من أهل البدع. والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فدل بما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم".
فالمبتدع الذي يتضح عناده إما كافر وإما فاسق. والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتّهم بذلك فهو (^٢) في معنى الفاسق؛ لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته. والداعية ــ الذي الكلامُ فيه ــ واحدٌ من هذين ولا بد.
وقد عرَّف أهلُ العلم العدالةَ بأنها: "مَلَكَة تمنع عن اقتراف الكبائر
_________________
(١) (١/ ٨).
(٢) (ط): "وهو".
[ ١٠ / ٧٢ ]
وصغائر الخسة ". زاد السبكي: "وهوى النفس"، وقال: "لا بد منه [١/ ٤٤] فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها، فيرتكبه. ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة".
نقله المحلي في "شرح جمع الجوامع" (^١) لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة إلى زيادة القيد. قال: "لأن من عنده مَلَكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي، فلا يكون عنده مَلَكَة تمنع منه".
أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "المَلَكة"، فيكتفي في التعديل بأنه قد خَبَر صاحبَه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة، فيعدِّله. ولعله لو تدبَّر لعلم أن لصاحبه هوًى غالبًا يخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيّأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظنّ المعدِّل حصولُ تلك المَلَكة ــ وهي العدالة ــ لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له كما هو معنى التعديل؟
وأهل البدع كما سماهم السلف "أصحاب الأهواء"، واتّباعُهم لأهوائهم
_________________
(١) (٢/ ١٤٨ - ١٥٠ - مع حاشية البناني) وأشار المحلّي إلى أن هذه الزيادة موجودة في بعض نسخ "جمع الجوامع"، وهي مأخوذة من والده تقي الدين السبكي. وهي ثابتة في نسخة الأصل لشرح ابن حلولو. "الضياء اللامع": (٢/ ٢١٦ - ٢١٨).
[ ١٠ / ٧٣ ]
في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومَن ثبت تعمّده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمَن كذبُه. وفي "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٣) عن عليّ بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي". يريد
_________________
(١) والله أعلم أنهم مظنة ذلك، فيُحْتَرس من أحدهم حتى يتبين براءته. هذا، وإذا كانت حجج السنة بينةً، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا، أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق. واتباعُ الهوى والإعراضُ عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يُعذَر صاحبه. فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر، فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل. وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند، أو منقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، معرض عن حجج الحقّ إعراضًا شديدًا؛ لكان أقلّ أحواله أن يحمله النظر في الحقِّ على الارتياب في بدعته، فيخاف إن كان متدينًا أن يكون على ضلالة، ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله ﵎ أن يعذره. فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه، وأحقُّ إن كانوا على خطأ أن لا يضرَّهم ذلك؛ لأنهم إنما [١/ ٤٥] يتبعون الكتاب والسنة، ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين، ولزوم صراط المنعَم عليهم: النبي ﵌ وأصحابه وخيار السلف. فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل، فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة. ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يكفِّر أهلَ السنة ولا يضلِّلهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه، فلا يكون داعية. فأما غير الداعية؛ فقد مرَّ نقلُ الإجماع على أنه كالسُّنّي، إذا ثبتت عدالته
[ ١٠ / ٧٤ ]