تقدم في الفصل الثالث (^١) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن [سفيه] مُعْلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في حديث الناس إذا جُرِّب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﵌ ". أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص ١١٦) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (ص ١١٧): "باب في أن الكاذب في غيرِ حديث رسول الله ﵌ تُرَدُّ روايته - قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس. ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبتت (^٢) توبته". ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند (ص ٢٣ - ٢٤) إلى الشافعي: " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدَّثَ به ثقةً في دينه معروفًا بالصدق في حديثه ". وهذه العبارة ثابتة في "رسالة الشافعي" (^٣).
وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ٤٦٩) (^٤): "قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يُكْتَب عنه".
_________________
(١) (ص ٢٦).
(٢) (ط): "ثبت" والمثبت من الكفاية.
(٣) (ص ٣٧٠).
(٤) (٢/ ٢٢٣). وهو في "الجرح والتعديل": (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ١٠ / ٥٣ ]
وفي "النخبة وشرحها" (^١): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ترتيبها على الأشدّ فالأشدّ في موجِب الردّ على سبيل التدلِّي (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبويّ متعمِّدًا لذلك (أو تُهْمتِه بذلك) بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة. وكذا مَن عُرِف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث [١/ ٣٣] النبوي، وهو (^٢) دون الأول. (أو فحش غلطه) أي: كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهّم (أو مخالفته) أي الثقات (^٣) (أو جهالته) (أو بدعته) (أو سوء حفظه) ".
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام تُرَدُّ به الرواية مطلقًا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتّب عليها ضرر ولا مفسدة. وقد ساق صاحب "الزواجر" الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال (ج ٢ ص ١٦٩): "عَدُّ هذا هو ما صرحوا به. قيل: لكنه مع الضرر، ليس كبيرة مطلقًا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون ــ انتهى ــ. وفيه نظر بل الذي يتجه أنه حيث اشتدّ ضررُه بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة. بل صرَّح الروياني في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: مَن كذب قصدًا رُدّت شهادته وإن لم يضر بغيره، لأن الكذب حرام بكل حال؛ وروى فيه حديثًا. وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان كالغيبة على ما مرَّ فيها عند جماعة".
_________________
(١) (ص ٨٧ - ٨٩ - ط. العتر).
(٢) في "النزهة": "وهذا".
(٣) في "النزهة": "للثقات".
[ ١٠ / ٥٤ ]