قال الأستاذ (ص ١١٥): «في كتاب «الجرح والتعديل»: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كان أبو حنيفة يحدّثنا، فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل. ثم قال: أخبرنا
_________________
(١) انظر «الجرح والتعديل»: (٨/ ١٢٩).
[ ١٠ / ١٧٣ ]
إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني».
ثم قال الأستاذ: «وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة، حتى استقرَّ قول أهل النقد فيه على أنه لا يُقبل له قول في أهل الكوفة. وكان ناصبيًّا خبيثًا حريزي المذهب. أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌّ يَذبح في ضحوة نيفًا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدِّقه ذلك التقي في أبي حنيفة».
أقول: أما الحكاية الأولى، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث، كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى (^١). والحنفية ــ ومنهم الأستاذ ــ يعتذرون عن ذلك بما هو معروف. وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأيُّ مانع أن يحدِّث بأشياء من ذلك، ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى (^٢).
وأما الجوزجاني فحافظ كبير متقن عارف، وثَّقه تلميذه النسائي جامع «خصائص علي» وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون. فأما ميل الجوزجاني إلى النَّصْب، فقال ابن حبان في «الثقات» (^٣): «كان حَرِيزيّ المذهب ولم يكن بداعية، وكان صلبًا في السنة إلا أنه [١/ ١٠٠] من صلابته ربما كان يتعدَّى طورَه». وقال ابن عدي: «كان شديد الميل إلى
_________________
(١) (٢/ ٦، ٣٠، ٦٢، ٧٧، ٩٢، ١٠٢، ١٠٤، ١٤٧، ٢٧٦).
(٢) رقم (١٩٦).
(٣) (٨/ ٨١).
[ ١٠ / ١٧٤ ]
مذهب أهل دمشق في الميل على عليّ» (^١). وليس في هذا ما يبيِّن درجته في الميل.
فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (^٢): «قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجةً ». فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري. ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٤٠) (^٣)، تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث. والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في «معجم البلدان» (جوزجانان) (^٤) من عبد الله بن أحمد بن عَدَبَّس. ولابن عدبَّس ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج ٩ ص ٣٨٤) و«تهذيب تاريخ ابن عساكر» (ج ٧ ص ٢٨٨) (^٥) ليس فيهما ما يبيِّن حاله، فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة. وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض، فقد يقولها من يرى أن فعل عليّ ﵇ كان خلاف الأولى، أو أنه اجتهد فأخطأ.
وفي «تهذيب التهذيب» (ج ١٠ ص ٣٩١) عن ميمون بن مهران قال: «كنت أفضِّل عليًّا على عثمان، فقال عمر بن عبد العزيز: أيهما أحبّ إليك:
_________________
(١) «الكامل»: (١/ ٣١٠). وفيه: «في التحامل على ».
(٢) (١/ ١٨١).
(٣) (٧/ ٩٢).
(٤) (٢/ ١٨٣).
(٥) وانظر أصله: (٢٧/ ٦١).
[ ١٠ / ١٧٥ ]
رجل أسرعَ في المال أو رجل أسرعَ في كذا ــ يعني الدماء؟ ــ قال: فرجعتُ وقلت: لا أعود». وهذا بيِّن في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل عليّ خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد. ولا يُعدُّ مثل هذا نصبًا، إذ لا يستلزم البغض، بل لا ينافي الحبّ. وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضِّلونه.
فأما حطُّ الجوزجاني على أهل الكوفة، فخاصٌّ بمن كان شيعيًّا يبغض بعض الصحابة أو يكون ممن يُظَنُّ به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك. ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد (^١) النظر في حَطِّ الجوزجاني على الشيعة، واتضح أنه لا يجاوز الحدّ، وليس فيه ما يسوِّغ اتهامه بتعمّد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غضّ منهم أو طعن فيهم. وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة، كما تقدم في القواعد. والله الموفق.