حاول الأستاذ في "الترحيب" (^١) التبرّؤ مما نُسِب إليه في "الطليعة" من الكلام في أنس ﵁ وفي هشام بن عروة بن الزبير، وفي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
فأما كلامه في أنس، فتراه وما عليه في "الطليعة" (ص ٩٨ - ١٠٦) (^٢) ويأتي تمامه في ترجمته إن شاء الله تعالى (^٣).
وينبغي أن يُعلَم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومَن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة؟ كما أشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص ٢٤) إذ قال: "وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في "المؤمل" لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحرِّيًا بالغًا في المرويات يدلّ على عقلية أبي حنيفة الجبارة". [١/ ١٤] فزادنا مع أنس جماعةً من الصحابة ﵃، وإلى ما غالط به من الترجيح الذي دفعتُه في "الطليعة" (ص ١٠٥ - ١٠٦) (^٤) التصريحَ بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعضُ أولئك الصحابة.
_________________
(١) (ص ٣١٥ - ٣١٦ و٣٣٧ - ٣٣٨).
(٢) (ص ٧٧ - ٨٣) من طبعتنا.
(٣) من كتابنا هذا رقم (٥٦).
(٤) (ص ٨٣).
[ ١٠ / ٢٠ ]
هذا مع أن رواية أنس في الرَّضْخ (^١) تشهد لها أربع آيات من كتاب الله ﷿، بل أكثر من ذلك كما يأتي في "الفقهيات" (^٢) إن شاء الله تعالى، ومعها القياس الجلي. ولا يعارض ذلك شيء إلّا أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدَّم قوله على ذلك كله.
وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في "التأنيب" (ص ١٣٩) عند كلامه على ما رُوي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. قال الأستاذ هناك: "ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل. ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة، حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا ففرَّع عليه الفروع ".
إلا أن يقول الأستاذ: إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب، وإنما قلّد فيها بعضَ التابعين كشريح وإبْراهيم. فعلى هذا يختصّ تقديم العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة القَوَد على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعيّ الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول: لعل أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحد من الصحابة، بل هو موافق لغيره في أن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٩٥) ومسلم (١٦٧٢).
(٢) (٢/ ١٢٨ - ١٣٠).
[ ١٠ / ٢١ ]
انفراد الصحابيّ مقبول على كلّ حال؛ وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث، لأنه لم يبلغه من وجهٍ يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه. وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين، فيجعله أصلًا لباب عظيم من أبواب الشرع، كشريح في الوقف، وإبْراهيم في المزارعة= فكيف يرغب عن سنة لتفرّد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت "المؤمل" (^١) فرأيت عبارته تُشعر بأن الكلام فيما تفرّد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان روايةً عن النبي - ﷺ -.
فأما التحرّي البالغ، فإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه أن يُقبَل ورَدِّ ما حقُّه أن يُرَدَّ، [١/ ١٥] فلا موضع له هنا. وإن كان هو الذي يؤدّي إلى قبول ما حقُّه الردُّ، كرأي شريح في الوقف، ورأي إبْراهيم في المزارعة؛ وإلى ردِّ ما حقُّه القبول، كما يتفرّد به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كردِّ حديث الرّضْخ مع شهادة القرآن والقياس الجليّ له= فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة المخالفة له أو ذَهَل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله. وإن وقع ممن عرف ذلك كلّه، فهو تجرٍّ بالجيم لا تحرٍّ بالحاء، أو قل: تحرٍّ للباطل، لا للحق.
فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يردُّ انفرادَ الصحابي ــ
_________________
(١) (ص ٦٢ - ٦٣ ت مقبول)، وهذا النص ليس في الطبعة الجديدة، بتحقيق د. جمال عزّون (ص ١٣٣ - ١٣٤)، فهل سقط منها أو ليس في الأصول التي اعتمدها؟ وقد نقد المؤلف هذا الخبر في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٤١ - ٢٤٢) ثم قال ــ بما يؤيد كلامه هنا ــ: "والحكاية لا تتعرض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلّق بقول الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أن أبا حنيفة يقول: إنه لا يخالف قول أحدٍ من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة .. ".
[ ١٠ / ٢٢ ]
أيَّ صحابي كان ــ أن يقول: إن ذلك تحرٍّ بالغ. بل من يردّ السننَ كلّها سوى المتواتر، بل من يرد المتواتر أيضًا، فيقول: إن التحرّي البالغ يقضي أن لا يُنسب إلى شرع الله إلا ما نصّ عليه كلامه. بل من يردّ الدلالات الظنية من القرآن، ويردّ الإجماع، ولم يُبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن (^١)، وشيوخ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها، كما يأتي في (الاعتقاديات) (^٢) إن شاء الله تعالى. فأما القياس فهو بأن يسمّى إلغاؤه تحريًّا واحتياطًا في دين الله أولى من ذلك كلّه، فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل:
ويذهبُ بينها المرئيُّ لغوًا كما ألغيتَ في الدية الحُوارا (^٣)
والمقصود هنا أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلا غرو أن يزعم الأستاذ أنه ليس في كلامه فيه ما يُنتقد! وفي "فتح الباري" (^٤) في باب المصرَّاة: "قال ابن السمعاني (^٥) في "الاصطلام": التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة". ذكر ذلك في صدد ردّ كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة
_________________
(١) كذا، والكلام مفهوم، وتقديره: يزعم أيضًا أنه تحرٍّ بالغ.
(٢) (٢/ ٣٣٦، ٥٠٣).
(٣) من قصيدة لذي الرمة في هجاء هشام بن قيس المرئي. انظر "ديوان ذي الرمة" (١٣٧٩)، و"الأمالي": (٢/ ١٤١).
(٤) (٤/ ٣٦٥).
(٥) هو أبو المظفر منصور بن عبد الجبار. كان أهل بيته حنفية، ونشأ على ذلك، ومهر في المذهب، ثم تشفَّع تديّنًا. وترجمته في "طبقات ابن السبكي" (ج ٤ ص ٢١). وقد أسرف الشافعية في التبجّح بذلك كما تراه هناك. [المؤلف].
[ ١٠ / ٢٣ ]