ذكر الأستاذ في "التأنيب" (^١) أسبابًا اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم، وأطنب في فتنة القول بخلق القرآن. ثم ذكر في "الترحيب" (ص ١٨ - ١٩) أنه يتحتم عليَّ أن أدرس ملابسات تلك الفتنة. يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة كبِشْر المريسى وابن أبي دُواد، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، واستحوذوا على الدولة، فسعت في تنفيذ تلك المقالة بكلّ قواها في جميع البلدان. فكان علماء السنة يكلَّفون بأن يقولوا: إن القرآن مخلوق، فمن أجاب مظهرًا الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة، وأُنعِمَ عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك. ومن أبى حُرم عطاءه، وعُزل عن القضاء أو الولاية، ومُنع من نشر العلم. وكثير منهم سُجنوا، ومنهم من جُلد، ومنهم من قُتل. وأسرف الدعاة في ذلك، حتى كان القضاة لا يجيزون شهادة شاهد حتى يقول: إن القرآن مخلوق، فإن أبى ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهًا ربما سجنوه وربما أطلقوه مسخوطًا عليه. وفي كتاب "قضاة مصر" (^٢) طرفٌ من وصف تلك المحنة. فيرى الأستاذ أن ذلك أوغر صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة، فكان فيهم من يذمه، ومنهم من يختلق الحكايات في ثلبه.
[١/ ١٩] فأقول: ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.
_________________
(١) (ص ١٦ - ٢٠).
(٢) للكندي (ص ٤٤٥ - ٤٤٧).
[ ١٠ / ٢٩ ]
أما أولًا: فلأن أصحاب الحديث منهم من صرَّح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المرُّوذي عن أحمد بن حنبل. ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة القول بأن القرآن غير مخلوق، وتلك الروايات معروفة في
"تاريخ بغداد" و"مناقب أبي حنيفة" وغيرها. فكيف يُظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه، ويخرجوه من صَفّهم
_________________
(١) مع عدم استغنائهم عنه إلى صفِّ مخالفهم؟ وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلُّهم بين سفيه فاجر كذّاب، وأحمق مغفَّل يستحلُّ الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عَظْم الدين وهو الاعتقاديات، ويتبعون فيها الأهواء والأوهام! يقال لأحدهم: قال الله ﷿ ، وقال رسول الله ﵌؛ فتلتوي عنقه، ويتقبَّض وجهُه تبرُّمًا وتكرُّهًا. ويقال له: قال ابن سينا ، فيستوي قاعدًا، ويسمو رأسه، وينبسط وجهه، وتتسع عيناه، وتصغي أذناه، كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها. فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ! وأما ثالثًا: فإن ما يسميه الأستاذ "مثالب أبي حنيفة" أكثرها كان معروفًا قبل المحنة. ولهذا احتاج الأستاذ إلى مُساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفَزَاري، وسفيان بن سعيد الثوري، وحماد بن سلمة.
[ ١٠ / ٣٠ ]