ثم يقول سعادته: "إن سير الحركة الوهابية من الوجهة الفكرية والعملية الآن، يسند اتجاهين ليس هو الاتجاه صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، ولا هو ثالثًا مما يدل على أن الإسلام دين لحكم الجماعة وإصلاح الفرد وأنه يستطيع مواجهة الأحداث وألوان الحياة المختلفة"١.
ولست أدري ما الذي يعنيه الدكتور بالاتجاه الذي يسنده سير الحركة فكرًا وعملًا؟
ونحن لا نعلم لسير الحركة اتجاهًا من الوجهة الفكرية إلا إبراز التصور الصحيح للعقيدة الإسلامية، وإحياء المفاهيم التي انحرفت بتأثير عوامل الهدم ي الحياة الإسلامية، وما أكثرها، وأما من الوجهة العملية فلا اتجاه للحركة إلا الحفاظ على التوحيد وصيانته من أوضار الوثنية، وإقامة نظام الحياة كله على أساس الإسلام في كل المجالات من تشريع واقتصاد واجتماع إلخ.
وأما قوله: إن هذا الاتجاه الذي تسنده الحركة، ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في نهضة شعب الجزيرة، فلعل هذا وجهة نظره هو، وكل حر فيما يراه.
وأما الواقع الملموس فيقول: إن سير الحركة واتجاهها لم يعق أبدًا نهضة الشعب، ولا وقف حائلًا دون تقدمه. فمظاهر النهضة واضحة
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص٨٨.
[ ٦٤ ]
كالشمس يراها كل من له عينان، ويلمسها كل من زار المملكة وشاهد منجزاتها الضخمة في كل مناحي الحياة.
وكم نتمنى أن يقوم الدكتور بزيارة لتلك البلاد العزيزة العتيدة ليلمس بنفسه أثر تلك النهضة المباركة في كل ما تقع عليه عيناه.
وأما قول الدكتور: "ولا هو كذلك صاحب أثر إيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية" فإن أبلغ رد عليه هو ذلك الدور العظيم الذي يقوم به عاهل الجزيرة حفظه الله في جمع شتات المسلمين وتوحيد كلمتهم، وإذكاء مشاعر الأخوة الإيمانية بينهم، وكان من أثر ذلك السعي المشكور والجهد المبرور، انعقاد مؤتمري الرباط ولاهور١، ثم تلك المؤتمرات المتواصلة لوزراء خارجية العالم الإسلامي، وما تتمخض عنه من قرارات تعود على المسلمين جميعًا بالإعزاز والتمكين.
ثم إنشاء "رابطة العالم الإسلامي" التي تضم ممثلين لمعظم الأقطار الإسلامية، والتي تقوم مشكورة بإمداد المنظمات والهيئات الإسلامية بكل ما تحتاجه من كتب علمية ودينية وعقد المؤتمرات الدورية لتلك المنظمات بمكة، وكان آخرها منعقدًا وأنا أكتب هذه السطور، ثم إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تضم أبناء أربع وثمانين دولة إسلامية، ثم اهتمام جلالته بإنشاء المراكز الإسلامية
_________________
(١) ١ واستمرار ًا لتلك الجهود فإن المملكة العربية السعودية تستقبل في الخامس من شهر ذي القعدة سنة ستة وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة الموافق للسابع من شهر ديسمبر سنة خمس وألفين ميلادي مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي في مكة المكرمة، نسأل الله جل في علاه أن يجمع كلمة المسلمين على الحق، وأن يؤلف بين قلوبهم بمنه وكرمه وإحسانه.
[ ٦٥ ]
وتشييد المساجد في جميع أنحاء العالم، ومساعدة الجمعيات الدينية والخيرية في البلاد العربية والإسلامية.
ونذكر الدكتور أيضًا بزيارة جلالته الأخيرة لعديد من عواصم الدول الإفريقية لتفقد أحوال إخوانه المسلمين فيها، وكيف نجح جلالته في تحويل عدد كبير من هذه الدول عن التعامل مع إسرائيل وإلغاء التمثيل الدبلوماسي معها.
وكذلك زيارة جلالته الأخيرة لفرنسا التي كسب فيها لقضية العرب لا تأييد فرنسا وحدها بل تأييد مجموعة دول أوربا الغربية.
هذا قليل من كثير مما قام به ملك الوهابيين يا سعادة الدكتور.
فهل لا زلت بعد ذلك عند رأيك في أن الاتجاه الذي تسنده الحركة ليس هو صاحب الأثر الإيجابي في ربط طوائف الجماعة الإسلامية بعضها ببعض، أم ماذا يا دكتور؟
[ ٦٦ ]