ثم يقول سعادته: "وهنا في هذا المبالغة يكمن عامل الفرقة بينهم وبين بقية المسلمين، فبينما هم يرون أنفسهم موحدين وأهل توحيد، ويرون غيرهم ممن لا يسلك سبيلهم في المبالغة مشركين، إذا بغيرهم ينظرون إليهم على أنهم أهل تشدد وتزمت، وأصحاب ضيق في الأفق والفهم لهذا الأصل الإسلامي وهو أصل التوحيد"١.
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص ٨١.
[ ٢٦ ]
والكلام هنا مع الدكتور في تحديد المبالغة التي يكمن فيها عامل الفرقة بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين، فهل إذا قامت الوهابية بتنفيذ ما أمر به الشرع من هدم القبور وتسويتها صيانة لجانب التوحيد، ودفاعًا عن حماه المقدس، يعتبر ذلك مبالغة منها تستحق عليها أن ترمى بالتشدد والتزمت، وتعد خارجة على بقية المسلمين؟
ألا يذكر الدكتور أنه درس فيما درس من أصول الفقه قاعدة تسمى "سد الذرائع" تقول "إن كل ما يفضي إلى محرم هو محرم مثله".
ومن أجل هذه القاعدة نهى النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور١، لما أن ذلك قد يكون ذريعة إلى تعظيمها وعبادتها.
ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها٢، لما في ذلك من التشبه بعبادها الذين يتحرون السجود لها في هذه الأوقات.
ونهى كذلك عن شد الرحال إلى مكان من الأمكنة بقصد التعبد والصلاة فيه، لا إلا أحد المساجد الثلاثة الكبار: "المسجد الحرام ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى" ٣.
ونهى أن يقوم الناس بعضهم لبعض على جهة التعظيم٤.
_________________
(١) ١ انظر مشكور: الحديث السابق عن ابن عباس ﵄. ٢ انظر مشكورًا: صحيح البخاري ح "٥٨١" وصحيح مسلم ح "٨٢٧". ٣ انظر مشكورًا: صحيح البخاري ح "١١٩٧" وصحيح مسلم ح "٨٢٧". ٤ انظر مشكورًا: البخاري في الأدب المفرد ح "٩٧٧" وأبو داود ح "٥٢٢٩" والترمذي "١٢٥/٢" وهو حديث صحيح.
[ ٢٧ ]
ونهى أصحابه عن الغلو فيه والمبالغة في مدحه فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده فقوله عبد الله ورسوله" ١.
ونهى عن اتخاذ قبره عيدًا وقال: "صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ٢.
وقال للرجل الذي قال له: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" ٣.
ومن أجل سد الذرائع أيضًا، أمر عمر ﵁ بقطع شجرة الرضوان التي بايع الصحابة تحتها رسول الله ﷺ عام الحديبية.
وقال مرة وهو يستلم الحجر الأسود: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك"٤.
وعزل خالد بن الوليد من قيادة جيش المسلمين في الروم، في وقت كانت الآمال كلها معلقة به ليتمم ما بدأه من الانتصارات على الروم لأنه خشي أن يفتتن الناس به.
فهل كان الرسول ﷺ في كل ما فعله من ذلك مبالغًا.
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: صحيح البخاري ح "٣٤٤٥". ٢ انظر مشكورًا: مسند الإمام أحمد "٢/٣٦٧" وسنن أبو داود ح "٢٠٤٢". ٣ انظر مشكورًا: مسند الإمام أحمد "١/٢١٤" وابن ماجه ح "٢١١٧". وهو حديث صحيح. ٤ انظر مشكورًا: صحيح البخاري "١/٤٩٥" وصحيح مسلم "١/٩٢٥".
[ ٢٨ ]
وهل كان عمر ﵁ فيما عمد إليه من قطع الشجرة أو عزل مبالغًا؟.
فلماذا تنسب الوهابية وحدها إلى المبالغة، وهذه أفعال الرسول ﷺ، وأفعال خلفائه الراشدين على ما قدمنا.
وعلى فرض أن الوهابية بالغت في ذلك، فإنها مبالغة محمودة كان من نتيجتها استئصال شأفة الشرك، واجتثاث جذور الوثنية من الجزيرة العربية، في الوقت الذي لا تزال فيه كل بلاد الإسلام تعاني من ذلك ما تتفتت على صخرته كل قواعد التوحيد والإيمان.
وإذًا فليست المسألة يا سعادة الدكتور مسألة ضيق في الأفق والفهم للتوحيد، ولكنها الحيطة الواجبة لأعظم أصل في الإسلام وهو التوحيد.
وأما ما ذكره سعادته من أن تشدد الوهابية في موضوع التوحيد قد تسبب في حصول الفرقة بينها وبين من يسميهم مسلمين فذلك أمر حتم، إذ لا يعقل أن يرضى الباطل عن الحق أبدًا.
ولكن وزر هذه الفرقة لا يقع على الوهابية، فإنها تدعو كل المسلمين إلى الدخول في دين الله الحق، كما يصوره القرآن الكريم والسنة المطهرة، بعيدًا عن كل شوائب الانحراف والضلال.
ولا يجوز لأحد أن يطلب من الوهابية أن تجامل أو تداهن، لا سيما في موضوع يتعلق بأصل الأصول في الدين وهو التوحيد.
[ ٢٩ ]
بل هي مستعدة حينئذٍ لأن تكون وحدها في طرف، والدنيا كلها في طرف، حيث لا مجال لمساومة أو مجاملة.
[ ٣٠ ]