ثم يقول سعادته: "ثانيًا إذ تنادي هذه الحركة بالرجوع إلى مذهب السلف، لا تعني أكثر من إبعاد القياس والعرف، مع التزام نصوص القرآن والحديث الصحيح في الفقه في دائرة التشريع وبذلك تستمر في مجال الخصومة المذهبية"١.
وهنا يتناقض الدكتور مع نفسه، فبعد أن ادعى في التعليق الأول أن الحركة تتمذهب بمذهب معين، أعلن هنا أنها تنادي بالرجوع إلى
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص ٨٤.
[ ٣٦ ]
مذهب السلف، فتلتزم القرآن والحديث الصحيح، وتبعد القياس والعرف في دائرة التشريع.
ثم يتناقض مرة أخرى حين يدعي أنها بالرجوع إلى مذهب السلف تستمر في مجال الخصومة المذهبية، وقد كان العكس هو الصحيح.
على أن الكلام كله سواء مقدماته أو نتيجته غير صحيح، فإن الحركة إنما نادت بالرجوع إلى مذهب السلف في العقائد التي هي الأصول، لأن السلف كانوا فيها على رأي واحد ضد أهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية ونحوهم.
وأما في الفروع أو العمليات فلم يكن للسلف فيها مذهب خاص حتى تنادي الحركة بالرجوع إليه، كما أنها لم تستبعد القياس والعرف -كما يدعي الدكتور- فإن هذا مذهب الظاهرية، ولكنها فقط كانت تأخذ برأي أحمد ﵀ في تقديم النص وإن كان ضعيفًا على القياس، وأما الاستمرار في مجال الخصومة المذهبية، فهو ليس من فعل هذه الحركة ولا هدف لها، وهي أبعد ما تكون عن التعصب المذهبي في مسائل الخلاف.
وحسبك دليلًا على أن جميع المذاهب الفقهية تدرس الآن في الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة إلى جانب الفقه الحنبلي في مادة "الفقه المقارن".
كما أنه لا يوجد بين المذاهب الفقهية مذهب هو أوسع صدرًا لقبول الآراء المختلفة من المذهب الحنبلي، إذ قلما توجد مسألة فقهية إلا وفيها لأحمد ﵀ روايتان أو ثلاث.
[ ٣٧ ]
ولهذا يتسع المجال أمام علماء هذا المذهب لحركة الاختيار والترجيح الذي قد يتجاوز حدود المذهب، كما هو معروف عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله في اختياراتهما التي انفردا بها عن جمهور الحنابلة.
وكذلك العلامة ابن قدامة ﵀ صاحب كتاب "المغني" الذي درج في كتابه العظيم، على أن يعرض في المسألة الواحدة كل المذاهب بأدلتها ثم يرجح بعد ذلك أقواها دليلًا ولو كان غير مذهبه الحنبلي.
فأين إذًا تلك الخصومة المذهبية في الحركة الوهابية وأين مظاهرها؟
[ ٣٨ ]