ثم يقول سعادته: "إن الحركة الوهابية تشددت فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى، وبالأخص بينها وبين الجماهير في هذه الشعوب١.
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص٨٧.
[ ٥٥ ]
وهكذا يرجع الدكتور مرة أخرى إلى تلك النغمة الكريهة فيرمي الحركة بالتشدد فيما وسع الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية الأخرى.
فهل معنى هذا أن الحركة كان يجب عليها أن تسكت على البدع والمنكرات تضييقًا لشقة الخلاف وإرضاءً للجماهير الإسلامية؟ وحينئذٍ ما تكون مهمتها وما معنى كونها حركة؟
وكيف يراد من حركة قامت للتصحيح والتقويم، أن تتغاضى عما تراه من انحرافات تجنبًا للخلاف؟
إن الله ﷿ يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وكذلك الجماهير لا ترضى إلا عمن يجاريها على أهوائها ويحبذ لها مألوفاتها.
وهذا يشبه قول بعض المشركين لرسول الله ﷺ: "إنك قد جئت بأمر خالفت به قومك وفرقت به جماعتهم".
أفكان يترك ﵇ الدعوة إلى الحق والهدى حتى لا يخالف قومه ولا يفرق جماعتهم؟
والعجب أن يصدر مثل هذا الكلام من دكتور فيلسوف يعلم أن الدعوات لا بد أن تثار في وجها الخصومات، ولا بد أن تقابل من أعدائها بكثير من السخط والاستياء، ولكن هذا لا يصلح مبررًا أبدًا لترك الدعوة أو التهاون فيها إبقاءً على رضى الناس.
[ ٥٦ ]
إن الحركة الوهابية تشددت في تنفيذ ما يجب تنفيذه، رضي الناس أم سخطوا، وهي لم توسع شقة الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية حبًا منها للخلاف.
ولكن الخلاف كان أمرًا ضروريًا بين حركة جاءت للتصحيح وإزالة البدع والمنكرات، وبين شعوب جمدت على ما هي عليه من ضلالات وانحرافات.
ثم ما معنى قول الدكتور: "وبالأخص بينها وبين الجماهير".
ومتى كان للجماهير وعواطفها الهوجاء رأي يجب أن يعتد به في ميزان الحق، ويترك من أجله ما أوجبه الدين وصرّحت به النصوص؟
[ ٥٧ ]