الآن وقد فرغنا من التعليق على نقد الدكتور لأسس الحركة الوهابية، نشرع - إن شاء الله - في التعليق على نقده للحركة ذاتها.
يقول سعادته: يلاحظ فيما عرضنا لعناصر هذه الحركة، من الجهة الفكرية:
أولًا: أن حركة محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، قامت على أساس التمذهب بمذهب معين وهو مذهب أحمد بن حنبل، ولأنها أسست على التمذهب بمذهب معين تعتبر امتدادًا في التمسك بالمذاهب الإسلامية كل منها على حدة، وتمثل طورًا من أطوار التبعية لمذهب خاص١.
ويظهر من هذا أن الدكتور يعيب على الحركة الوهابية تقليدها لمذهب معين، وهو مذهب أحمد ﵀، فهل كان يريد من الوهابية مثلًا أن تنشئ في الفروع مذهبًا جديدًا ليضاف إلى المذاهب الأربعة المعروفة، فتكون بذلك مذهبًا خامسًا كما يرميها بذلك خصومها؟
إن الوهابية لم تقم للاجتهاد في الفروع ولكنها قامت لتصحيح الأصول، فإن الفروع أمرها هين، وقد أجمعت الأمة على جواز التقليد فيها لمن لا يقدر على الاجتهاد ولا تتوفر لديه وسائله، إذ لا يعقل أن نطلب من كل فرد في الأمة أن يكون مجتهدًا.
فقول الدكتور إنها أسست على التمذهب بمذهب معين غير صحيح.
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص ٨٤.
[ ٣٥ ]
فهبي لم تدع إلى التمذهب بالمذهب الحنبلي أو غيره، ولكن اتفق أن مؤسسها ﵀ كان حنبليًا في الفروع.
ولو كان مالكيًا أو شافعيًا ما تغير الوضع بالنسبة للدعوة، فإنها دعوة عامة لأتباع المذاهب الأربعة وغيرهم، هدفها تطهير العقائد من الشرك ومحاربة الخرافات والبدع.
وبذلك لا تعتبر الدعوة -كما يدعي الدكتور- امتدادًا في التمسك بالمذاهب الإسلامية المنفرة، ولا تمثل طورًا من أطوار التبعية لمذهب خاص.
إذ لو كانت كذلك لاقتصرت على أتباع المذهب الحنبلي، ولم تحاول هداية الناس من أتباع المذاهب الأخرى١.
_________________
(١) ١ بل إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لا يقر التعصب المذهبي وأوضح ذلك بقوله: "إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب". انظر مشكورًا: الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية لجميع إخواننا الموحدين من أهل الملة الحنيفية، والطريقة المحمدية" جمع وترتيب الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى. وتعليق الشيخ محمد رشيد رضا ص ٣٥.
[ ٣٦ ]