لأستاذنا الدكتور محمد البهي١ كتيب نشرته "دار الفكر" ببيروت، عالج فيه الفكر الإسلامي في تطوره وتتبعه في أدواره المختلفة بين الصعود والهبوط، وبين الحركة والجمود.
وقد عقد في هذا الكتيب فصلًا عن الحركة الوهابية، باعتبارها امتدادًا للحركة الدينية الإصلاحية التي قام بها في القرن الثامن الهجري شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقد ملأ الدكتور الكبير مقاله عن الوهابية بمزاعم لا تتفق مع الحق، ولا سند لها من الواقع، ونقدها نقدًا جانب في الإنصاف، ولم يراع فيه موازين البحث العلمي.
ومعلوم أن النقد النزيه لأي أمر من الأمور، هو الذي لا يغمط الحسنات بقدر ما لا يغفل السيئات، ولكن دكتورنا لم يذكر لهذه الحركة المباركة ولا حسنة واحدة، بل كل ما ورد في مقاله عيوب ومثالب، وإلقاء التهم جزافًا بلا حساب، مما يوحي بأنه كان واقعًا تحت تأثير عوامل معينة.
نعم، إن الذي يقرأ النقد الموجه من الدكتور البهي للحركة، ثم يوازن بينه وبين المبادئ الذاتية لتلك الحركة، وما قامت به في الماضي ولا
_________________
(١) ١ هو الدكتور محمد كامل البهي، من الوزراء المصريين. ولد بمصر، وتخرج بالأزهر، ثم التحق بالجامعات الألمانية، وتأثر بأفكار جمال الدين الأفغاني. عاد إلى بلده مدرسًا في كلية أصول الدين. وتولى وزارة الأوقاف، له العديد من المؤلفات. وكانت له جهود فيما يُسمى بتطوير الأزهر. توفي رحمه الله تعالى سنة ١٤٠٣هـ. انظر مشكورًا: موسوعة أعلام مصر ص ٤٠١، ومئة شخصية مصرية ص ٢٠٥-٢٠٧.
[ ١٨ ]
تزال تقوم به من إصلاحات ضخمة في مجالي العقيدة والعمل، يعجب للمصادر التي اعتمد عليها الدكتور في نقده، بحيث لا يداخله أدنى شك في أنه استقى ذلك مما كتبه أعداء الحركة عنها.
وعهدنا بالدكتور الكبير أنه يسلك دائمًا في كل ما يكتبه سبيل التحقيق العلمي، ويلتزم جانب الدقة والتمحيص، وقد تعلمنا نه ذلك أثناء تتلمذنا له في مادة الفلسفة الإسلامية بالدراسات العليا بكلية أصول الدين إحدى كليات الجامعة الأزهرية. وكان لي أنا شخصيًا شرف إشرافه على رسالتي التي حصلت بها على العالمية من درجة أستاذ، وكانت بعنوان: "ابن تيمية السلفي".
ولكنه في هذا الفصل من كتابه خالف معهوده، فألقى القول على عواهنه، من غير تثبت ولا تحقيق.
ونستأذن أستاذنا الكبير أن نناقش ما كتبه عن تلك الحركة قضية قضية، فإنه مهما كان عزيزًا علينا وحبيبًا إلى قلوبنا، فإن الحق آثر عندنا حتى من نفوسنا، وقديمًا ناقش أرسطو فلسفة أستاذه أفلاطون وقال في ذلك كلمته المشهورة:
"أفلاطون صديق، والحق صديق، ولكن الحق آثر لدينا من أفلاطون"١.
_________________
(١) ١ ومن هذا المنطلق قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في شرحه لمنازل السائرين للإمام الهروي وفي أثناء تعقبه لبعض أخطائه ﵀: "شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه، وكل ما عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك. ونحن نحمل كلامه على أسحن محامله ثم نبين ما فيه" أنظر مشكورًا "مدارج السالكين بين منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
[ ١٩ ]