لقد خصص سعادته الفصل الرابع والأخير من كتابه "الفكر الإسلامي في تطوره١" للكلام عن الحركة الوهابية، فأرخ لها من جانبين:
الأول: من جانب الأحداث السياسية وصلتها بالحكومة القائمة على رعايتها.
الثاني: من جهة أنها حركة دينية ترسمت حركة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ثم قال: "والذي يهمنا من حركة محمد بن عبد الوهاب هو الجانب الثاني بالذات"٢.
ثم قدم ترجمة مختصرة لمؤسس الدعوة - ﵀ - فذكر رحلاته في طلب العلم إلى معظم العواصم الإسلامية مثل مكة والمدينة في الحجاز، والأحساء في منطقة الخليج العربي، والبصرة وبغداد فيما بين النهرين، ودمشق في سوريا، وأصفهان وقم في إيران، وذكر أنه أقام في هذه الأخيرة مدة تزيد على اثني عشر عامًا قضاها في الدرس والتعلم، وأنه بهذه الرحلة الطويلة ضم معرفة تجريبية واقعية
_________________
(١) ١ وقد طبع هذا الكتاب طبعتين: الأولى في دار الفكر ببيروت سنة ١٣٩١هـ- ١٩٧١م. والطبعة الثانية في مكتبة وهبة بمصر سنة ١٤٠١هـ - ١٩٨١م. وعدد صفحات الكتاب أحد عشر ومئة صفحة، تحدث في الفصل الأول: عن تقويم الفكر الإسلامي في مرحلته الأولى. والفصل الثاني: التفكير لإعادة بناء المجتمع الإسلامي. والفصل الثالث: عن ابن تيمية. والفصل الرابع: عن محمد بن عبد الوهاب. والفصل الخامس: عن الحركة السنوسية. ٢ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره، ص ٧٥.
[ ٢٠ ]
عن الإسلام والمذاهب الإسلامية١، وأنه شأنه في ذلك شأن أستاذه ابن تيمية من قبل وشأن أصحاب الحركات الإسلامية التي جاءت بعده، وأنه لما عاد إلى بلدته "العيينة" صمم على الجهر بدعوته فجهر بها، ولكنه صادف معارضة شديدة، فرحل من العيينة إلى "الدرعية" في شمال الرياض حيث يقيم الأمير محمد بن سعود الذي رحب به وأظله بحمايته، وهناك تعاهد الشيخ والأمير على أن يبقى الشيخ في مقر الأسرة السعودية، وفي مقابل ذلك يناصر الأمير دعوة الشيخ بقوة السلطان.
وظل الأمر على ذلك إلى أن توفي الشيخ ﵀ في سنة ١٧٩٢م.
وبعد وفاة الشيخ والأمير تعاهد أبناء الأسرتين بالاستمرار في تنفيذ اتفاق والديهما، ولم يزل الوضع في صلة الدعوة الوهابية بالحكومة السعودية على ما كان عليه حتى الوقت الحاضر.
ثم يقول سعادته: "وبهذا التعاهد اجتمع لهذه الدعوة سلطان الحاكم وقوة الإيمان بها، وقلما اجتمع الأمران في حركة دينية، بعد عصر الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين سوى هذه الحركة، ومن هنا كان يؤمل كثيرًا في نشاط هذه الحركة"٢.
_________________
(١) ١ الصحيح المؤكد أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه تعالى لم يرحل لطلب العلم إلى بغداد ودمشق وأصفهان وقم، بل إن المجمع عليه هو ذهابه إلى: مكة المكرمة والمدينة النبوية والأحساء والبصرة. وهذا دليل على قصور الدكتور البهي في معرفة الدعوة وأنه أخذ أغلب معلوماته عن الدعوة من المخالفين لها. ٢ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره، ص ٧٧.
[ ٢١ ]
ثم أرخ سعادته بعد ذلك الجانب السياسي لهذه الحركة، فبين كيف أفادت من اتساع حكم السعوديين وازدياد نفوذهم في شبه الجزيرة العربية، حتى دخلت مكة والمدينة مع الفتح السعودي للحجاز، وبذلك تهيأت لها الفرصة في موسم الحج لشرح أسسها ونشر تعاليمها.
فانتشرت الدعوة عن طريق هذه اللقاءات التي كانت تتم بمكة والمدينة في موسم الحج، حتى وصلت إلى الهند وأندونيسيا شرقًا، وإلى السودان والشمال الأفريقي غربًا.
ثم تحدث عن اتساع نفوذ السعوديين خارج شبة الجزيرة العربية حتى وصل عمان وزبيد في جنوبي اليمن، ووصل إلى قلب العراق وضواحي دمشق، مما أزعج الخليفة التركي في الإستانة، وأثار مخاوفه، فكلف واليه مصر "محمد علي باشا" بحرب السعوديين وردهم إلى مقر ولايتهم الأول.
ثم يقول سعادته: "ولكن ما لبث النفوذ السعودي أن عاد بالتدريج إلى قوته، وإلى سيطرته نهائيًا على نجد والحجاز على نحو الوضع القائم الآن منذ سنة ١٩٢٥م١".
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره، ص ٧٩.
[ ٢٢ ]