ثم يقول سعادته: والوثنية التي يمكن أن توجد في القرن العشرين ليست وثنية الأحجار والأموات، إنما هي وثنية الأحياء أصحاب السلطان والنفوذ ولا يقضي على هذه بالدعوة إلى هدم القبور وتحريم زيارتها، وإنما بتحقيق شعور المساواة بين الحاكم والمحكوم١.
وهذا ليس بصحيح، فإن وثنية الأحجار والأموات لا تزال قائمة فعلًا في كل مكان من الدنيا، ولا يزال الإنسان هو الإنسان لم يستطع أن يتخلص من سيطرة أوهامه أو فساد تخيلاته، رغم ذلك التقدم الهائل في العلوم والمخترعات.
ولعل سعادته يعرف أن أعل الناس ثقافة في مصر، هم أكثر من غيرهم تعلقًا بالخرافات والأوهام، والمكابرة في ذلك مكابرة في شيء محسوس وواقع لا تليق بآحاد الناس فضلًا عن دكتورنا الفيلسوف.
_________________
(١) ١ انظر مشكورًا: الفكر الإسلامي في تطوره ص ٨١.
[ ٣٢ ]
وأما وثنية الأحياء من أصحاب النفوذ والسلطان، فلا وجود لها بحمد الله في ظلال الوهابية، لأنها تحارب كل أشكال الوثنية، لا فرق عندها بين وثنية الأحياء ووثنية الأموات، ولهذا تعيش الدولة السعودية التي تدين بالوهابية في ظل ديمقراطية حقة، لا يحس فيها المواطن بفرق بين حاكم ومحكوم، بل يعرف كل مواطن أن الحاكم إنما وضع في مكانه لمصلحة المحكوم.
فها هو مليك البلاد وعاهلها، يتصل بشعبه اتصال الأب الرحيم، ويجلس إلى المواطنين كل يوم خميس في قصر الحكم بالرياض فيتوافدون للسلام عليه، وتقديم الطلبات والشكايات إليه، وهو لا يرى الحكم سيطرة واستعلاء، ولكن يراه رعاية ومسؤولية.
ومن قبل كان والده المغفور له جلالة الملك عبد العزيز، مثلًا عاليًا في الديمقراطية والشعبية، وقد كان لنا منه مجلس كل أسبوع، حين كنا ندرس بكليات الرياض، فيجلس بيننا متبسطًا، ويخوض معنا في شتى الأحاديث التي تهم الإسلام والمسلمين.
ويؤسفنا أن قول إن الدكتور الذي يتحدث عن القضاء على وثنية الأحياء بالنسبة للحركة الوهابية، عاش هو نفسه تلك الوثنية ومارسها فعلًا حين كان وزيرًا للأوقاف، حيث كان يعامل موظفي وزارته بأقسى ما يُتصور من ألوان العسف والإرهاب.
[ ٣٣ ]