قال العلامة الألباني: «وعلى افتراض صلاحية الاحتجاج به، فإنه لا يعارض تلك النصوص، لأمور:
الأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة، وعليه فاللام في «المسلمون» ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد …» (^١).
وأما استدلالهم الثاني بحديث «من سن في الإسلام سنة حسنة» فلا يصح الاستدلال به لأسباب ثلاثة:
السبب الأول: أن الأدلة يفسر بعضها بعضًا، فلما جاءت الأدلة الكثيرة في ذم البدع، فيحمل معنى السنة الحسنة على غير البدع.
قال الشاطبي: «فإن قوله -ﷺ-: «من سن سنة حسنة …» ليس المراد به الاختراع ألبتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين الأدلة القطعية، إن زعم مُورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوعٌ به، فإن زعم أنه مظنون؛ فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوعٌ به، فيلزم منه التعارض بين القطعي والظني، والاتفاق من المحققين أن لا تعارض بينهما لسقوط الظني وعدم اعتباره، فلم يبق إلا أن يقال: إنه من قبيل العام والخاص، ولا تعارض بينهما عند المحققين على التنزل بفقد التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن السبب الذي لأجله جاء الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله -﵄- قال: كنا عند رسول الله
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢/ ١٨).
[ ٣٩ ]
-ﷺ- في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار، - ثم ذكر الحديث - فتأملوا أين قال رسول الله -ﷺ-: «من سن سنة حسنة» و«من سن سنة سيئة»، تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حيث أتى بتلك الصرة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله -ﷺ- حتى قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة» الحديث، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي» الحديث إلى قوله: «ومن ابتدع بدعة ضلالة»، فجعل مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة، وكذلك قوله -ﷺ-: «ومن أحيا سنتي فقد أحبني».
ووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر؛ لأنه -ﷺ- لما حض على الصدقة أوَّلًا، ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به، فانثال بعده العطاء إلى الكفاية، فكأنها كانت سنَّةً أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، فليس معناه من اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة …» (^١).
فبهذا يُحمل الحديث على من عمل عملًا مشروعًا دلت عليه الأدلة، مثل فعل الأنصاري الذي ابتدأ الصدقة فتتابع الناس على ذلك.
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٣١١).
[ ٤٠ ]
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين: «وهناك جواب لا بأس به: أن معنى «من سن» من أحيا سنة كانت موجودة فعدمت فأحياها، وعلى هذا فيكون «السَّنُّ» إضافيًّا نسبيًّا، كما تكون البدعة إضافيَّةً نسبيَّة لمن أحيا سنَّة بعد أن تُرِكت» (^١).
وقال أيضًا: «جواب ثالث يدل له سبب الحديث، وهو قصة النفر الذين وفدوا إلى النبي -ﷺ-، وكانوا في حالة شديدة من الضيق، فدعا النبي -ﷺ- إلى التبرع لهم، فجاء رجل من الأنصار بيده صرة من فضة كادت تثقل يده، فوضعها بين يدي الرسول -ﷺ- فجعل وجه النبي ﵊ يتهلل من الفرح والسرور، وقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فهنا يكون معنى «السَّنِّ» سنَّ العمل تنفيذًا، وليس سنَّ العملِ تشريعًا، فصار معنى «من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً»: مَنْ عمل بها تنفيذًا، لا تشريعًا؛ لأن التشريع ممنوع «كل بدعة ضلالة»» (^٢).
السبب الثاني: أن الحديث استدلال بمورد النزاع، فكل العلماء - سواء كانوا ممن يقسمون البدع إلى حسنة وسيئة، أو ممن لا يقسمونها - لا يُدخلون في قوله: «سنة حسنة» ما يرون أن أدلة الشرع تمنعه وتحكم بعدم حسنه، إلا أن المقسمين يصفون هذا بالبدعة السيئة، وغير المقسمين يصفونه بالبدعة، وعلى أصلهم لا يوجد في الدين بدعة حسنة، بل كلها ضلالة، ثم الذي رأيت من العلماء، سواء المقسمين للبدعة خمسة أقسام، أو غير المقسمين؛ أنهم لا ينازعون في تشريع بعض العبادات المستحدثة بضوابطها الشرعية، كما سيتكرر بيان هذا - إن شاء الله -، لكن قد يختلفون في أمرين:
_________________
(١) الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع (ص: ٢٠).
(٢) المرجع السابق (ص: ٢١).
[ ٤١ ]