قال الكاتب: «الثامن سنة معاذ بن جبل -﵁- في المسبوق، فقد كان الرجل من الصحابة -﵃- إذا جاء إلى الصلاة مسبوقًا يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، فيصلي ما فاته ثم يلحق الجماعة، فيكونون مع رسول الله -ﷺ- ما بين قائم وراكع وقاعد، حتى جاء معاذ -﵁- فقال: لا أراه - يعني النبي -ﷺ- على حال إلا كنت عليها، فقال رسول الله: إن معاذًا قد سن لكم سنة، كذلك فافعلوا (^١)، فهذه بادرة خير من معاذ ابتدأها اجتهادًا من تلقاء نفسه، وليس عنده في ذلك سنة توقيفية، فصارت سنة المسبوقين إلى يوم الدين» (^٢).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه ليس في الحديث إحداث وابتداع، وإنما اجتهاد، والمجتهد إذا كان أهلًا للاجتهاد فهو ما بين مصيب أو مخطئ، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وفرق بين الاجتهاد والإحداث، وذلك أن المجتهد مقر بأنه لا عبادة إلا بدليل، لذا هو يسعى لمعرفة هذا الدليل، وهذا بخلاف من لا
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٥٠٦)، وأحمد (٣٦/ ٤٣٦).
(٢) (ص ١٣٠).
[ ١٣٢ ]
يرى أن العبادات توقيفية، فهو لا يحتاج لاجتهاد، بل إن اجتهاد الصحابي من الأدلة على أن العبادات توقيفية، وذلك لأنه لما تقرر عند الصحابة ومن بعدهم أنها توقيفية اجتهدوا لمعرفة مراد الله بالنظر في الأدلة الأخرى، لتكون العبادة قائمة على دليل صحيح.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة