ردد الكاتب أنه إذا ثبت الخلاف في تبديع بعض الأمور العملية، فإذن لا يصح العداء والشدة لأجل البدع العملية، فقال: «أما ثانيهما فهو أنني حاولت أن أبحث عن حجة قوية ناصعة تثبت أن قضية البدعة قضية خطيرة، وقد تختلف فيها أنظار العلماء، وأن الموقف منها هو احترام اجتهادات العلماء، ولا مانع من الترجيح لمن ملك أدواته العلمية، دون نكير على غيره» (^١).
وقال: «لقد كان السائد عند بعض العلماء المضيقين لمعنى البدعة - ثم قال: - أن الخلاف في البدعة يدور بين الحق والضلال، وأن القول بأن بعض المحدثات المستجدات يمكن أن تكون مشروعة؛ قول باطل» (^٢).
وقال: «بل ندعو جميع ألوان الطيف المذهبي السني - في الأحساء وبلاد المسلمين كافة - إلى أن يحصروا خلافهم في الإطار النظري فقط، وأن لا يتعداه إلى أرض الواقع» (^٣).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم أنه قرر أن العداوة إنما تكون في البدع العقدية، وسبق رد هذا.
_________________
(١) (ص ٢٤).
(٢) (ص ٢٦).
(٣) حاشية (ص ٣٠).
[ ١٥٩ ]
الوجه الثاني: تقدم أن وقوع الرجل في البدعة لا يلزم منه تبديعه على الإطلاق، وهذا ليس معناه أنه لا يبدع مطلقًا، بل يبدع بضوابط ذكرها أهل العلم، وليس هذا موضع ذكرها.
الوجه الثالث: أن الخلاف بين العلماء في تبديع بعض الأعمال موجود ولا ينكره عارف منصف، لكن لا يستفاد منه أن الإنكار والتشديد لا يكون على جميع البدع العملية الأخرى التي لم يختلف فيها العلماء، بل إن الخلاف في تبديع بعض الأمور العملية كالخلاف في بقية مسائل أهل العلم، فإذا كان الخلاف معتبرًا لم يشدد فيه، بخلاف ما إذا لم يكن معتبرًا، وقد بين العلماء الضابط في هذا، وذلك أن المسائل الشرعية الخلافية نوعان:
النوع الأول: لا ينكر ولا يعنف فيه على القائل، ولا يُلزم بتركه، أما القول نفسه فللمجتهد المخالف أن يبين ضعفه وكونه مرجوحًا، هذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الاجتهادية، وهو كل قول لم يخالف إجماعًا أو سنة ظاهرة صريحة.
النوع الثاني: ينكر ويعنف فيه على القائل، ويلزمه من له ولاية بتركه، والقول نفسه يرد ويبدع، وهذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الخلافية، وهو كل قول يخالف إجماعًا أو سنة ظاهرة صريحة، قال ابن مفلح: «وقال - أي ابن تيمية - في كتاب «بطلان التحليل»: قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر، بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد وهم عامة السلف
[ ١٦٠ ]
والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيه مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد، ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه، فيسوغ - إذا عدم ذلك - الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها» (^١).
قال أبو المظفر السمعاني: «فأما الضرب الذي لا يسوغ فيه الاختلاف، كأصول الديانات من التوحيد وصفات الباري عز اسمه، وهي تكون على وجه واحد، لا يجوز فيه الاختلاف، وكذلك فروع الديانات التي يعلم وجوبها بدليل مقطوع به، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكذلك المناهي الثابتة بدليل مقطوع به، فلا يجوز اختلاف القول في شيء من ذلك، فأما الذي يسوغ فيه الاختلاف، وهي فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها بأمارات الاجتهاد ومعاني الاستنباط، فاختلاف العلماء فيه مسوغ، ولكل واحد منهم أن يعمل فيه بما يؤدي إليه اجتهاده» (^٢).
_________________
(١) الآداب الشرعية (١/ ١٦٩)، وانظر كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل (ص ١٤٥).
(٢) قواطع الأدلة في أصول الفقه (٢/ ٣٢٦).
[ ١٦١ ]
قال ابن القيم: «وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة، ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك …» (^١).
قال النووي: «ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه - ثم قال: - لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق» (^٢).
فلا يصح الخلط بين المسائل بأن يسوى ما لا يسوغ التبديع به بما يسوغ التبديع به.
قول المضيقين في أن كل بدعة ضلالة، خلافًا للكاتب