بدأ بذكر أمثلة عن الصحابة تدل - بزعمه - على أن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق، فقال: «الأول: التزام بلال بن رباح -﵁- للطهارة بعد كل حدث، وصلاته ركعتين بعد كل طهارة، وبعد كل أذان، فكانت هذه من أرجى أعماله الصالحة عند الله، وهذا الالتزام مما اجتهد فيه بلال -﵁- من تلقاء نفسه، ولم يكن عنده سنة توقيفية عن رسول الله -ﷺ-، ونص الحديث (^١)
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٦٨٩)، وأحمد (٣٨/ ١٤٨) من حديث بريدة.
[ ١١٥ ]
أن رسول الله -ﷺ- أصبح فدعا بلالًا -﵁-، قال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، قال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله علي صلاة ركعتين فقال رسول الله -ﷺ-: بهما» (^١).
وكشف هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذا الأثر هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: ليس في هذا الحديث أن بلالًا أحدث هذا الفعل، وإنما فيه أن بلالًا فاز بهذه المنزلة لمواظبته على هذه العبادة، فيحتمل أن بلالًا عرف الحكم من رسول الله -ﷺ- في مجلس آخر، وليس في الحديث ما يدل على أنه أحدثه،
لاسيما وقد أخرج الشيخان (^٢) عن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدِّث نفسه فيهما بشيء، إلا غفر له ما تقدم من ذنبه».
فبطل الاستدلال بفعل بلال -﵁- على جواز إحداث عبادات، لاسيما والأدلة والآثار والإجماعات كلُّها على عدم جواز إحداث عبادات مطلقًا.
فإذن أقل ما يقال - تنزلًا -: إن فعل بلال محتمل للإحداث، ومحتمل أنه أخذه من رسول الله -ﷺ- في موضع آخر، وإذا توارد الاحتمال بطل الاستدلال،
_________________
(١) (ص ١٢٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٥٩)، ومسلم رقم (٢٢٦).
[ ١١٦ ]
لاسيما وأن الاحتمال بأنه أحدثه معارِض للأدلة والآثار والإجماع، فتعين حمله على الاحتمال الثاني، وهو أنه أخذه من رسول الله -ﷺ- في موضع آخر.
الوجه الثالث: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
أليس هذا كافيًا في عدم صحة الاستدلال به.
رد استدلاله بصلاة خبيب قبل القتل