قال الكاتب: «السابع زيادة رجل من الصحابة -﵃- ذكرًا بعد رفعه من الركوع خلف رسول الله -ﷺ-، وهذا الذكر هو «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، فلما انصرف رسول الله -ﷺ- قال: «من المتكلم آنفًا؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله -ﷺ-: «لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها» (^١) فهذا ذكر زاده صحابي في الصلاة بدون سنة توقيفية من عند النبي -ﷺ-، ولكنه لما كان ذكرًا يسيرًا يناسب واقعة الحال من حمد الله -﷿- على إدراك الركعة أقره -ﷺ- عليه» (^٢).
وكشف هذه الشبهة من أوجه أربعة:
الوجه الأول: أنه ليس في هذا الحديث أن الصحابي كان متقصدًا هذا اللفظ من الدعاء لذاته، فهو إذن من العبادات والأدعية المطلقة، والقول بأنه يتقصده لذاته في كل صلاة يلزم عليه الإثبات، ففرق بين الدعاء بلا تقصد لذاته، الذي يداخل في جملة الدعاء الذي أمرنا به، وبين أن يتقصد دعاء معينًا لذاته، فلما كان فعله محتملًا لم يصح حمله على الاحتمال الذي يعارض الأدلة والآثار والإجماع.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٩٩)، ومسلم رقم (٦٠٠).
(٢) (ص ١٢٩).
[ ١٢٨ ]
الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟! لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
الوجه الرابع: أنه بمراجعة أقوال أهل العلم فإن القول باستحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع ليس مشهورًا عند العلماء، بل منهم من أبطل الصلاة به، ومنهم من رآه من السهو الذي ينجبر بسجود.
قال التنوخي: «في كتاب مسلم عنه -ﷺ- أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها، وما ورد لابن شعبان من أن قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه -ﷺ- من الثناء، على قائل ذلك» (^١).
قال زروق: «قال ابن رشد في صحيح مسلم أن النبي -ﷺ- كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه …) الحديث، وكره مالك ذلك لئلا يعتقد أنه من فرائض الصلاة أو
_________________
(١) التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات (١/ ٤١٣).
[ ١٢٩ ]
من فضائلها، وقال ابن شعبان تبطل صلاة قائله، قال: وقول ابن شعبان تبطل صلاة قائله لا معنى له لثبوته والله أعلم» (^١).
قال ابن قدامة: «النوع الثاني، أن يأتي فيها بذكر أو دعاء لم يرد الشرع به فيها، كقوله: (آمين رب العالمين) وقوله في التكبير: (الله أكبر كبيرًا) ونحو ذلك، فهذا لا يشرع له السجود؛ لأنه روي عن النبي -ﷺ- أنه سمع رجلًا يقول في الصلاة: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلم يأمره بالسجود)» (^٢).
وأول من رأيته ذكر استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع النووي، واستغرب هذا طائفة ممن جاء بعده من الشافعية، وبين بعضهم أنه خالف جمهور الشافعية.
قال النووي: «ثبت عن رفاعة بن رافع -﵁- قال: (كنا نصلي وراء النبي -ﷺ- فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) رواه البخاري فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار، فيقول في ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قال: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض … إلى قوله: منك الجد» (^٣).
_________________
(١) شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٢٦).
(٢) المغني (٢/ ٢٤).
(٣) المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٢٠).
[ ١٣٠ ]
قال أبو البقاء الدميري: «زاد المصنف في (التحقيق): (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولم يذكره الجمهور وهو في (البخاري) من رواية بن رافع، وفيه: (أنه ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)، وذلك أن عدد حروفها بضعة وثلاثون حرفًا» (^١).
قال زكريا الأنصاري: «وفي المجموع عن الأصحاب إذا لم يرضوا اقتصر على ربنا لك الحمد، وفي التحقيق مثل ما في الأصل، وزاد عليه: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عقب: لك الحمد؛ وهو غريب» (^٢).
قال الشربيني: «وزاد في التحقيق بعده: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ولم يذكره الجمهور، وهو في البخاري من رواية رفاعة بن رافع وفيه أنه (ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)» (^٣).
وكأن ابن رجب ذهب إلى ما قال النووي فقال: «قد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله -﷿-، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية -، وأن مثل هذا الذكر حسنٌ في الاعتدال من الركوع في الصلوات» (^٤).
وما عزاه للشافعي وأحمد فإنه ليس في استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وإنما في أن الزيادة على الوارد جائز كما يفهم بالرجوع لما يقرره أصحابهما.
_________________
(١) النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٣٨).
(٢) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ١٥٨).
(٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٣٦٧).
(٤) فتح الباري (٧/ ٢٠٢).
[ ١٣١ ]
وعلى كلٍّ ذكرت هذا الوجه وإن كان دقيقًا يقصر عنه فهم الكاتب؛ لأنه غير متخصص في العلوم الشرعية، لكن لابد من ذكره ليعرف وليُحرص على فهم العلم على فهم العلماء، لئلا يُخرج عن سبيلهم.
رد استدلاله بتغيير معاذ صفة صلاة المسبوق