ذكر الكاتب (^١) إقرار رسول الله -ﷺ- بعض المحدثات، ثم ذكر على ذلك أمثلة، ثم قال: «ولرب قائل يقول: إن النبي -ﷺ- قد أقرهم عليها، فأصبحت تلك المحدثات من السنن التقريرية، فالجواب: إن محل الاستشهاد بفعل الصحابة -﵃- يكمن في موضعين اثنين:
_________________
(١) (ص ١٢٦).
[ ١١٣ ]
الأول: هو إقدام الصحابة -﵃- على فعل تلك الأمور المحدثة قبل أن يبين لهم النبي -ﷺ- مشروعيتها، مع تمكنهم من ذلك بكل يسر وسهولة، الأمر الذي يعني أنهم لم يكونوا يشعرون بالحرج في فعل ذلك، ولم يكونوا يرونها من البدع المذمومة، وإلا لأحجموا عنها.
الثاني: هو إقرار النبي -ﷺ- أصحابه على ما فعلوه وأحدثوه من الأمور الدينية، وعدم إنكاره -ﷺ- عليهم، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن ترك النبي -ﷺ- للشيء لا يقتضي تحريمه، وإلا لكان كل ما فعله الصحابة -﵃- من الأمور محرمًا، لعدم فعله -ﷺ- له.
إن هذه الأدلة توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (^١).
وبناء على زعمه بوجود الإحداث عند الصحابة جعله دليلًا على جواز الإحداث في الدين، وأنه لا يصح أن يقال: إن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
أولًا: أن كلام الصحابة كثير في الأمر بالاتباع وترك الابتداع، مما يدل على أن العبادات توقيفية على الإطلاق، وتقدم ذكر قول بعضهم كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (^٢)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١).
_________________
(١) (ص ١٥٣).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١١٤ ]
فبهذا يعلم قطعًا أن ما توهمه الكاتب على الصحابة من أنهم لا يرون العبادات توقيفية على الإطلاق؛ توهم خطأ، والواجب عليه رد هذا المتشابه للمُحْكَم من أقوال الصحابة، ورده للأدلة الكثيرة، بل ورده للإجماع على أن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لأن العلماء لما قرروا هذا الأصل، وحكوا الإجماع عليه، لم يقيدوه، بل أطلقوه، وقد ذمّ الله من عمد إلى المتشابه وترك المحكم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾] آل عمران: ٧ [.
وهذا في ظني كافٍ لمن بصره الله ونور قلبه وأراد به الخير، إذ .. هل يمكن أن يقبل أحد من غيره قولًا شرعيًّا انفرد به عن الأمة وخالفها، ولم يوافقه عليه أحد من العلماء، كعلماء المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء السلف؟!
رد استدلاله بوضوء بلال لكل صلاة