عقد الكاتب فصلًا بعنوان: هدي الصحابة -﵃- في المحدثات بعد وفاة الرسول -ﷺ- (^١).
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أنه بهذا العنوان لهذا الفصل يقرر أن كل ما تعبد به الصحابي مما لم ينقل لنا عن رسول الله -ﷺ- فهو مما أحدثه، وهذا خطأ بين، فإن هذا ليس لازمًا، بل قد يكون مما أخذه من رسول الله -ﷺ- لكنه لم ينسبه إليه لما عرف من ورعه في النسبة لرسول الله -ﷺ-، أو يكون أخذ ممن أخذ عن رسول الله -ﷺ-، قال ابن القيم: «فيجوز أن يكون سمعه من النبي -ﷺ- شِفاهًا، أو من صحابي آخر عن رسول الله -ﷺ-، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق -﵁- والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة -﵃- إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي -ﷺ- في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به -ﷺ- بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل:
_________________
(١) (ص ١٣٩).
[ ١٣٧ ]
«لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي -ﷺ- لذكره»؛ قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله -ﷺ- ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي -ﷺ- مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله -ﷺ-» (^١).
ثم أيضًا إذا فعل أحدهم فعلًا، ولم ينكر عليه صحابي آخر فيعد إجماعًا على الصحيح.
الوجه الثاني: أنه إذا تعبد الصحابي بعبادة لم يأخذها من رسول الله -ﷺ-، ولا ممن أخذه منه، فإنه يحتمل - تنزلًا - أنه لا يرى العبادات توقيفية لذا أحدثها، ويحتمل أنه فعله اجتهادًا، والقول بالاجتهاد ينافي القول بالإحداث، ويتوافق مع القول بالتوقيف مطلقًا، وذلك أن معنى أنه اجتهد أي إنه نظر في الأدلة مجتهدًا لمعرفة مراد الله، وذلك لأن العبادة توقيفية لا تفعل إلا بدليل.
رد زعمه أن الصحابة بعد وفاة رسول الله لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا