جعل الكاتب من جوز عبادات بمقتضى قواعد الشريعة، وأدلة عامة؛ من الموسعين، فقال (ص ١٠٥): «خلاصة الخلاف المنهجي حول البدعة: تقدم لك - أخي الكريم - بعض نصوص العلماء حول البدعة، واتضحت مناهجهم في تفسير الأحاديث المتعلقة بها، وتبين أن لهم رأيين حولها:
١ - فيرى بعضهم أن كل محدثة ذات صلة بالدين لها حكم يناسبها، فتتدرج في الحكم من الوجوب إلى الحرمة، وقد يسمونها بدعة حسنة، وقد يصفونها حسب الحكم الذي يناسبها، فيرجع الخلاف إلى اللفظ لا إلى المعنى.
_________________
(١) (ص ٧٩).
(٢) (ص ١٠١).
(٣) (ص ٧٧).
(٤) يراجع (سادسًا) من الرد الإجمالي.
[ ١٦٤ ]
٢ - ويرى البعض الآخر أن المحدثات في الدين لها حكم واحد وهو الحرمة، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وتقسيم البدع أمر مرفوض شرعًا» (^١) وما تقدم نقله عنه في الرد الإجمالي.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا التأصيل أيضًا موجود عند العلماء الموصوفين عند الكاتب بالمضيقين، كما تقدم في المقدمة الثانية عشرة، فإنه يصح عندهم التعبد بما دل عليه العموم والإطلاق والقواعد الشرعية بضابطه، ومن ضوابطه ما تقدم في المقدمة الثامنة من أن هناك وسائل للعبادة تجاز، لعدم انطباق قاعدة السنة التركية عليها، وإن عدم وضوح هذا عند الكاتب جعله يضطرب في تصنيف العلماء، مما دعاه أن يعد ابن كثير وابن رجب من الموسعين (^٢)، واضطرب في الشاطبي (^٣)، وشكك في الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (^٤) فقال: «قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مع أنه من العلماء المضيقين لمعنى البدعة -: نخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع عمر التراويح جماعة، وكجمع المصحف، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك، فهذا حسن. انتهى الدرر السنية (٥/ ١٠٣) فكلامه يشير إلى وجود بدع لها أصل في الشرع، وبالتالي يشير إلى تخصيص عموم ذمها، فتأمل» (^٥).
_________________
(١) (ص ١٠٥)، ويراجع خامسًا من الرد الإجمالي.
(٢) (ص ٧٩).
(٣) (ص ١٠١).
(٤) (ص ٧٧).
(٥) الحاشية (ص ٧٧).
[ ١٦٥ ]
ومن المهم معرفة أن ما زعمه من أن المضيقين لا يجيزون التعبد بما دلت عليه قواعد الشريعة والأدلة العامة والمجملة بضوابطها؛ هو زعمٌ باطل، ولا أعلم أحدًا من العلماء المعاصرين الذين وصفهم بالمضيقين يقرر هذا، بل كلامهم واضح على خلافه، وهذا مما يدل على تخليطه وعدم تصوره لمن قسمهم مضيقين وموسعين.
قال العلامة ابن باز: «لكن بعض الناس قد تلتبس عليه بعض الأمور، فيرى أن ما وقع في المسلمين من بعض الأشياء، التي لم تقع في عهد النبي -ﷺ-، أنها بدعة حسنة، وربما يتعلق بقول عمر -﵁-، في التراويح نعمت البدعة، لما جمع الناس على إمام واحد، وهذا ليس مما أراده النبي -ﷺ-، فإن ما يحدثه الناس، مما تدل عليه الشريعة، وترشد إليه الأدلة، لا يسمى بدعة منكرة، وإن سمي بدعة من حيث اللغة، لكون المسلمين نقطوا المصاحف، وشكلوا القرآن، حتى لا يشتبه على القارئ، وجمعوه في المصاحف، هذا وإن سمي بدعة لغوية، لكن هذا شيء واجب، شيء يحفظ القرآن، ويسهل قراءته على المسلمين، فهذا نحن مأمورون به، مأمورون بما يسهل علينا القرآن، وبما يحفظه على المسلمين، وبما يعين المسلمين على حفظه وقراءته قراءة مستقيمة، فليس هذا من باب البدعة المنكرة، بل هذا من باب الأوامر الشرعية، من باب الحفظ للدين، ومن باب العناية بالقرآن، فليس مما نحن فيه بشيء، وكذلك قول عمر: نعمت البدعة، يعني كونه جمعهم على إمام واحد بعد النبي -ﷺ-، فهذا بدعة من حيث اللغة، لأن البدعة في اللغة هي الشيء الذي على غير مثال سابق، ما يحدثه الناس على غير فعل سابق يسمى بدعة في اللغة، فهذا من حيث اللغة لا من حيث الشرع،
[ ١٦٦ ]
فإن التراويح فعلها النبي -ﷺ-، وصلى بالناس بعض الليالي، وأرشد إليها وحثهم عليها، فليست التراويح بدعة، ولكن لكونه جمعهم على إمام واحد، قال في ذلك: نعمت البدعة، من حيث اللغة فقط، فالحاصل أن ما أوجده المسلمون، مما يدل عليه الشرع، ويرشد إليه الشرع، بعد النبي -ﷺ-، لا يسمى بدعة، بل هو مما دعا إليه الشرع، ورغب فيه الشرع، من جنس جمع المصحف، وشكله ونقطه ونحو ذلك، هذا ليس من البدع في شيء، بل من جنس التراويح، وفعل عمر لها ﵁ وأرضاه، ليس في هذا الباب من شيء» (^١).
قال العلامة ابن عثيمين: «وقد يقول قائل: هناك أشياء مبتدعة قبلها المسلمون وعملوا بها وهي لم تكن معروفة في عهد النبي -ﷺ-، كالمدارس وتصنيف الكتب وما أشبه ذلك، وهذه البدعة استحسنها المسلمون وعملوا بها ورأوا أنها من خيار العمل، فكيف تجمع بين هذا الذي يكاد أن يكون مجمعًا عليه بين المسلمين وبين قول قائد المسلمين ونبي المسلمين ورسول رب العالمين -ﷺ-: «كل بدعة ضلالة».
فالجواب: أن نقول هذا في الواقع ليس ببدعة بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المشروع مشروعة، ووسائل غير المشروع غير مشروعة، بل وسائل المحرم حرام، والخير إذا كان وسيلة للشر كان شرًّا ممنوعًا» (^٢).
_________________
(١) فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (٣/ ٢٩).
(٢) الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع (ص: ١٨).
[ ١٦٧ ]
رد دعواه أن الشاطبي من الموسعين على اصطلاحه