قال الكاتب: فإن التعريف الذي أرتضيه للبدعة المذمومة هو (محدثة دينية تتصادم مع نصوص الشرع أو مقاصده أو قواعده) فخرج بلفظ (محدثة) ما كان معمولًا به في الصدر الأول، وخرج بلفظ (دينية) ما كان من عادات الناس وأعرافهم وما شابهها، وخرج بلفظ (تتصادم) ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن
_________________
(١) (ص ١٥٤).
(٢) (ص ١٥٧).
[ ١٤٨ ]
طريق الاجتهاد والقياس، ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها» (^١).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا التعريف فيه إجمالات وإشكالات، وتناقضات، مع ما قرره.
أولًا: قال: «تتصادم مع نصوص الشريعة» ثم بين بقوله: «ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن طريق الاجتهاد والقياس» هذا يفيد أن البدعة يشترط أن تكون مستندة لأحد الأدلة الشرعية المعتبرة، لا أنها تكون بالهوى، فبهذا يعرف أنها توقيفية مطلقًا، وهذا يناقض ما ذكره من أنه لا يشترط أن تكون توقيفية مطلقًا.
ثانيًا: قال مبينًا معنى «تتصادم مع نصوص الشريعة»: «ونظرًا لأن المشروع يؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده وقواعده، فلابد في المحدثة الجائزة أن لا تتصادم معها».
اشتراط عدم التصادم مع نصوص الشرع إنما يقال فيما أصله الإباحة، أما ما أصله الحظر والمنع فأول ما يشترط له وجود الدليل الذي يدل عليه، وإلا بقي على المنع والحظر، فضابطه هذا يشير إلى أنه لا يراها توقيفية، وكأنه يذكر ضابطًا لأمر مباح في نفسه، لا لأمر الأصل فيه المنع.
والمباح لا يتعبد به لذاته، بل التعبد به لذاته بدعة محرمة - كما تقدم في المقدمة الرابعة -.
_________________
(١) (ص ٤١٧).
[ ١٤٩ ]
ثالثًا: من وقف على اضطرابه وتداخل الأمور عليه، كما في كشف شبهاته الإجمالية ثم التفصيلية؛ أدرك أن عدم ضبطه للبدعة ليس غريبًا، وقد كان رمى علماء الأمة كلها بأنها لم تضبط البدعة، حتى جاء هو بتعريفها، فصدق عليه قول القائل: «رمتني بدائها وانسلت»، وقول الشاعر:
وكم من عائبٍ قولًا سليمًا … وآفتُه من الفهمِ السَّقيمِ
ومعرفة الخلل في تعريفه للبدعة يفسر سبب عدم تعريفه لها عند تأليفه لكتابه (مفهوم البدعة)، مع أن معرفة ضابط البدعة مقصود قصدًا أساسيًّا في كتابه هذا، وإنه لم يعرفها إلا في ملحق الكتاب لما طلبه منه أحد المقدمين لكتابه.
رد زعمه أن في البدعة ما هو مكروه