ذكر قصة الصحابي الذي كان يكرر قراءة سورة الإخلاص في ركعة (^٢)، ثم قال: والشاهد هنا هو تخصيص سورة الإخلاص بالقراءة في كل ركعة، وكان حب تلك السورة قد غلب على ذلك الصحابي، لما تحتويه من تعظيم لله -﷿-، فخصصها بالقراءة في كل ركعة، ولم يكن عنده نص توقيفي بمشروعيتها، ونقل الحافظ ابن حجر -﵀- عن ناصر الدين ابن المنير -﵀-: «في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل، لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢١/ ٦٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٣٧٥)، ومسلم رقم (٨١٣).
[ ١١٩ ]
النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره» (^١)، ثم ذكر حديثًا والشاهد منه قريب من هذا، ثم قال: «فهذا الالتزام من هذا الصحابي ليس عليه نص توقيفي خاص من رسول الله -ﷺ-، وهذه القصة تختلف عن سابقتها، فإمام قباء كان يبدأ بـ (قل هو الله أحد)، وأمير السرية كان يختم بها، وإمام قباء كان يفعل ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة أمير السرية، وإمام قباء سأله النبي -ﷺ-، أما أمير السرية فقد أمر أصحابه أن يسألوه، وقال إمام قباء: إنه يحبها، وقال أمير السرية: إنها صفة الرحمن، وبشر النبي -ﷺ- إمام قباء بالجنة، أما أمير السرية فقد بشره بأن الله يحبه» (^٢).
وكشف هذه الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذين الحديثين هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: لم أر في كلام العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم من قال باستحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص كما يوهم فعل هذين الصحابيين، فدل هذا على عدم الاستحباب قطعًا؛ لأنه لا يصح لنا أن نخرج عن أقوال أهل العلم إلى أفهامنا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾] النساء: ١١٥ [.
_________________
(١) (ص ١٢٧).
(٢) (ص ١٢٨).
[ ١٢٠ ]
فهل يمكن أن يظفر الكاتب - غير المتخصص في العلوم الشريعة - بحقٍّ جهله العلماء قبله؟!
فبهذا يتبين أن الصحابيين لم يفعلاه على وجه التعبد، وإلا لقرر أهل العلم استحباب القراءة لذاتها، وعلى وجه التقيد، فلما لم يقرروا ذلك، فليس لنا أن نخرج عن أفهامهم إلى هذا الفهم المحدث، فبهذا يتبين أنه ليس للكاتب حجة في هذين الحديثين على دعواه.
وقد أشار لهذا ابن المنير فجعل الدافع ميل النفس لا أمرًا تعبديًّا، وقد تقدم أن الدافع إذا لم يكن تعبديًّا فلا يمنع، لاسيما وقول رسول الله: «إن الله يحبه» ليس صريحًا لأجل قراءة سورة الإخلاص، وإنما يحتمل أنه لمحبته صفة الرحمن، كما قاله ابن دقيق العيد والسفاريني، ويحتمله كلام ابن المنير - وسيأتي نقله -.
ودونك كلام أهل العلم المتوافق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة؛ لذا وجهوا فعل الصحابيين بتوجيهات مختلفة تتفق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة.
قال ابن بطال: «وأما تردد سورة واحدة فى الركعتين، ففي (الواضحة)، عن مالك: لا بأس به، وروى ابن القاسم عن مالك في (العتبية)، أنه سئل عن تكرير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في النافلة، فكرهه وقال: هذا مما أحدثوا، ومعنى كراهته لتكريرها يريد في ركعة واحدة يكررها مرارًا، وفي حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها في الفريضة في كل ركعة؛ لقوله -﵇- للذي كان يكررها: (حبك إياها أدخلك الجنة)، فدل ذلك على جواز فعله، ولو لم يجز لبين له ذلك؛ لأنه بعث معلمًا» (^١).
_________________
(١) شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٩١).
[ ١٢١ ]
قال ابن دقيق العيد: «قولها: (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه كان يقرأ بغيرها. والظاهر: أنه كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] الإخلاص: ١ [مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة، وعلى الأول: يكون ذلك دليلًا على جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، إلا أن يزيد الفاتحة معها، وقوله -ﷺ-:
«إنها صفة الرحمن» يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما إذا ذكر وصف فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف، ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بـ «قل هو الله أحد» ولعلها خصت بذلك لاختصاصها بصفات الرب تعالى دون غيرها، وقوله -ﷺ-: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» يحتمل أن يريد بمحبته: قراءة هذه السورة، ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب -﷿-، وصحة اعتقاده» (^١).
قال ابن رجب: «وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فإن النبي -ﷺ- لم ينهه عن ذلك.
ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي -ﷺ- وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي -ﷺ-: «ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟» (^٢).
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٦٨).
(٢) ذكره البخاري باب الجمع بين السورتين في الركعة، معلقًا، وانظر: تغليق التعليق (٢/ ٣١٠).
[ ١٢٢ ]
فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة» (^١).
قال ابن حجر: «قال ناصر الدين بن المنير في هذا الحديث: أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره» (^٢).
قال ابن علان: «لكونه إمامهم (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه يقرأ بغيرها، ففيه دليل جواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة» (^٣).
قال السندي: «والحاصل أن النبي -ﷺ- قرره على ذلك، وبشره عليه بما بشره، فعلم به جواز الجمع بين السور المتعددة في ركعة» (^٤).
قال السفاريني: «ويكون فيه دلالة على جمع السورتين في ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة، يقرأ فيها السورة (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١])؛ أي: بسورة الإخلاص، وخصت بذلك لاختصاصهما بصفات الرب - ﵎ - دون غيرها.
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٧٣).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٥٨).
(٣) دليل الفالحين (٣/ ٢٦٥).
(٤) حاشية السندي على سنن النسائي (٢/ ١٧١).
[ ١٢٣ ]
(فأنا أحب أن أقرأ بها) في كل صلاتي؛ تلذذًا ومحبة لذكر صفاته - ﵎ -، فرجعوا إلى النبي -ﷺ-، فأخبروه بما قال، (فقال رسول اللَّه -ﷺ-:
«أخبروه: أن اللَّه تعالى يحبه»)؛ لمحبته قراءة هذه السورة، أو لما شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفات الرب -﷿-، وصحة اعتقاده، وفي هذا دليل على: الرضا بفعله ذلك» (^١).
الوجه الثالث: بدلالة ما تقدم من عدم فهم أهل العلم أن قراءة سورة الإخلاص تستحب في كل ركعة أو صلاة، فإنه - تنزلًا - يكون الاستدلال بهذا الحديث من المتشابه، فلا يصح أن يرد المحكم وهو أن العبادات على التوقيف لهذا المتشابه.
الوجه الرابع: أن الحديث يدل على أن المتقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف، وذلك أنهم ما قبلوا فعل الأنصاري والصحابي الآخر؛ لأنه مخالف لفعل رسول الله -ﷺ-، فيكون هذان الحديثان من الأدلة الكثيرة على أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف.
قال ابن رجب: «لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي -ﷺ- وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي -ﷺ-: (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)» (^٢).
ولأنه متقرر عند أهل العلم أن العبادات مبناها على التوقيف، تأول بعضهم فعل هذين الصحابيين بما لا يتعارض مع قاعدة التوقف والحظر في العبادات، بخلاف ما فعله الكاتب، قال ابن حجر: «وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي
_________________
(١) كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٤٥١).
(٢) فتح الباري (٧/ ٧٣).
[ ١٢٤ ]
المذكور قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبي -ﷺ-، إما بطريق النصوصية وإما بطريق الاستنباط» (^١).
رد استدلاله بتكرار قراءة سورة الإخلاص في حديث آخر