عدَّ الكاتب الشوكاني من المضيقين على اصطلاحه فقال: «وقال الشوكاني -﵀- في حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^١): وهذا الحديث من قواعد الدين؛ لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر، وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم البدع إلى أقسام، وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل، فعليك إذا سمعت من يقول: هذه بدعة حسنة، بالقيام في مقام المنع، مسندًا له بهذه الكلية وما يشابهها، من نحو
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٦٩ ]
قوله -ﷺ-: «كل بدعة ضلالة»، طالبًا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة، فإن جاءك به قبلته، وإن كاع كنت قد ألقمته حجرًا واسترحت من المجادلة.
ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث؛ كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله -ﷺ- وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد … قائلًا: هذا أمر ليس من أمره، وكل أمر ليس من أمره رَدٌّ، فهذا رَدٌّ، وكل رَدٍّ باطل، فهذا باطل، فالصلاة مثلًا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله -ﷺ-، أو فعل فيها ما كان يتركه؛ ليست من أمره، فتكون باطلة بنفس هذا الدليل …، قال في الفتح: وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله؛ فلا يلتفت إليه، قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك» (^١)، ثم علق الكاتب في الحاشية: «أما ما نقله عن الحافظ ابن حجر في الفتح، فقد تقدم في النصوص السابقة، وقد عرفت رأي ابن حجر، وأنه يرى أن مصطلح البدعة يطلق شرعًا على المحدثات المذمومة، أما غير المذمومة فيطلق عليها الحكم الذي يناسبها، فلعل الشوكاني فهم من قول ابن حجر: (ما لا يشهد له أصل من أصوله) أي لم يرد التنصيص على جوازه، أو لعل الشوكاني أراد نقل رأي المخالف بدون أن يرد عليه، مكتفيًا بما ذكره من قبل، وأما نقله كلام النووي فقد تقدم لك رأيه، وأنه ممن يرى تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة».
_________________
(١) (ص ٩٤).
[ ١٧٠ ]
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن الكاتب جعل الشوكاني من المضيقين بناء على هذين النقلين، ثم تعليقه بهذا التعليق؛ وهذا يدل على اضطرابه في تقسيم العلماء هذه القسمة، بل وعدم فهمه، وهو بهذا الاضطراب يؤكد ما ذكرته عنه في الرد الإجمالي.
ويتبين هذا بما يلي:
أولًا: أنه جعله من المضيقين؛ لأنه لا يرى أنَّ البدعة تقسم تقسيم الأحكام الخمسة.
ولأنه جعل كل بدعة ضلالة، وهذا تأكيد للذي قبله.
ثانيًا: إنَّ الكاتب لم يقبل أن يكون الشوكاني ممن يرى أنَّ بعض العبادات التي حدثت بعد رسول الله -ﷺ- ليس بدعةً بضوابطها الشرعية - كما تقدم بحثها -، ومنها جمع عمر الناس على إمام واحد.
ولهذا .. جعل الشوكاني ناقلًا عن ابن حجر من غير إقرار، وهذا الذي قرره الكاتب لا يصح، وهو تناقض؛ وذلك لسببين:
السبب الأول: أنه لا تنافي بينهما، فكل منهما يقول: بأن كل البدع ضلالة، وأنها قسم واحد، وأن هذا لا يتنافى مع تصحيح عبادات جديدة بأدلتها الشرعية العامة والقواعد الشرعية بضوابطها - كما تقدم كثيرًا -؛ لأنه إذا دلّ على هذه العبادةِ الجديدةِ الأدلةُ العامة والقواعد الشرعية بضوابطها، فإنه في حقيقة الأمر رجع في إثباتها إلى الشرع، فليست محدثة بالمعنى الشرعي، وإنما بالمعنى اللغوي.
السبب الثاني: أن الشاطبي قرر كثيرًا وبأوضح من الشوكاني عدم صحة تقسيم البدعة إلى أقسام خمسة؛ كالأحكام التكليفية، وقرَّر أن البدع كلها ضلالة
[ ١٧١ ]
ومحرمة، ومع ذلك جعله من الموسعين؛ لأن له كلامًا في صحة التعبد بما حدث بعد، مما دلت عليه الأدلة الشرعية بضوابطها، فإذن كما تصور هذا في الشاطبي فتصوره في الشوكاني من باب أولى، فيلزمه أن يجعله من الموسعين مثله، لكنه تناقَضَ وخالَفَ بينهما في القسمة!.
رد احتجاجه باختلاف علمائنا المعاصرين في تبديع بعض الأمور العملية