تكلم الكاتب على بدعة المولد مؤيدًا شرعيتها، ورادًّا لأدلة مبدعيها بطرق شتى مباشرة وغير مباشرة، وكرر في مواضع إلزامات تتعلق ببدعية الاحتفال بالمولد، بل إنه قال مبينًا الذي كان سببًا لانشراح صدره لتأليف الكتاب: «ثم جاءت اللحظة الحاسمة التي انشرح صدري عندها لتأليف هذا الكتاب، فقد جاءني ذات يوم من أيام شهر ربيع الأول من عام (١٤٢٨ هـ) عدد من الإخوة، ونقلوا - متألمين - ما سمعوه من أحد خطباء الجمعة، المتبعين لمنهج تضييق معنى البدعة، حيث تهجم ذلك الخطيب على من يجتمعون في شهر ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي؛ لمدارسة سيرة نبينا محمد -ﷺ-.
فقلت لهم: وما الجديد؟ ألم تعتادوا سنويًّا على سماع كلام عنيف جارح من بعض هؤلاء الإخوة …» (^٢).
_________________
(١) هذا رابط كلام له يفهم منه أنه أشعري: http:// alkulify.blogspot.com/ ٢٠١٣/ ١٠/ blog-post_٤٢٠٨.html
(٢) (ص ٢٧).
[ ١٧٥ ]
وكشف هذه الشبهة:
ببيان أن الاحتفال بالمولد النبوي محدث، فهو بدعة محرمة وضلالة من أوجه:
الوجه الأول: إن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي العبيديون الذين يسمون بالفاطميين، قال المقريزي: «ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم.
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي:
موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي -ﷺ-، ومولد علي بن أبي طالب -﵁- ومولد الحسن، ومولد الحسين -﵉-، ومولد فاطمة الزهراء ﵍» (^١).
الوجه الثاني: أنه لا دليل على هذا الاحتفال إلا معاني وأقيسة مزعومة، وهي معارضة للسنة التركية، فإذا كان كذلك، فهي بدعة محدثة - كما تقدم في القاعدة الثامنة -.
الوجه الثالث: أن الاحتفال به كل سنة عيد، والأعياد محرمة (^٢)، وهي كل زمان أو مكان يعود ويكون مقصودًا لذاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«يوضِّح ذلك أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العامِّ على وجهٍ مُعتادٍ عائدٍ إما بعَوْدِ السنة، أو بعَوْدِ الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورًا منها: يومٌ عائدٌ كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماعٌ فيه، ومنها أعمال تتبع
_________________
(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٢/ ٤٣٦).
(٢) الأعياد محرمة كما بسط ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء (١/ ٤٨٥).
[ ١٧٦ ]
ذلك من العبادات والعادات، وقد يُختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا، وكل من هذه الأمور يُسمى عيدًا …» (^١).
قال ابن القيم: «والعيد ما يُعتاد مجيئه وقصده من مكانٍ وزمانٍ، ثم قال: والعيد مأخوذٌ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يُقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة أو لغيرها …» (^٢).
وإذا تعبد بهذه الأعياد زادت حرمتها لأنها جمعت بين أنه عيد وبدعة، قال الإمام ابن تيمية: «بل أعياد الكتابيين التي تتخذ دينًا وعبادة أعظم تحريمًا من عيد يتخذ لهوًا ولعبًا، لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه» (^٣).
الوجه الرابع: أن يوم مولد النبي -ﷺ- مختلفٌ فيه، وليس هناك دليل قاطع ولا ظن غالب على أنه اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، لذا لو صح الاحتفال به لما احتفل به؛ لأنه لا دليل على تحديده.
وقد حكى المناوي في الفتوحات السبحانية خلافًا في يوم مولده، فقال: فقيل اليوم الثاني عشر من ربيع الأول وعزاه للجمهور، وبالغ ابن الجزري فحكى عليه الإجماع، وقيل الثامن، وقال الحافظ ابن حجر: «إنه مقتضى أكثر الأخبار»، وقيل العاشر، قال القسطلاني: اختيار أكثر المحدثين، وحكى القضاعي
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٦).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٠).
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٩).
[ ١٧٧ ]