قال الكاتب: «… ونقلوا - متألمين - ما سمعوه من أحد خطباء الجمعة، المتبعين لمنهج تضييق معنى البدعة، حيث تهجم ذلك الخطيب على من يجتمعون في شهر ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي؛ لمدارسة سيرة نبينا محمد -ﷺ-.
فقلت لهم: وما الجديد؟ ألم تعتادوا سنويًّا على سماع كلام عنيف جارح من بعض هؤلاء الإخوة؟ ألم يقل أحدهم: «إن الذي يحتفل بالمولد النبوي أعظم أثمًا ممن يشرب الخمر ويسرق ويزني ويقتل» (^١).
وقال في الحاشية: «هذا الكلام يصدق على البدع الاعتقادية، كسب الصحابة -﵃- وتكفيرهم، وكتكفير الأئمة وصاحب الكبيرة، كإنكار القدر وكنفي الصفات وغيرها، فإن هذه البدع الاعتقادية أعظم خطرًا وأشد ضررًا على المسلمين من الكبائر، ولكنه لا يصدق على البدع العملية، خصوصًا إذا اختلف في حكمها العلماء الراسخون في العلم».
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
_________________
(١) (ص ٢٧).
[ ١٥٤ ]
الوجه الأول: أن الأدلة الشرعية شددت في البدع جميعًا، ولم تفرق بين العقدي والعملي، كما في قوله: «كل بدعة ضلالة» (^١)، وقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور» (١)، وقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني» (١) وهكذا ..
فلا فرق بين الأمور العقدية والعملية من جهة أصل الابتداع، وإن كانت البدع ليست على درجة واحدة، بل هي دركات وكلها محرمة وكبيرة، لكن بعضها أعظم دركة من الأخرى - كما تقدم في كلام الشاطبي -.
الوجه الثاني: أن من أسباب ضلال كل البدع - حتى العملية - أنه يلزم عليها لوازم عقدية شنيعة من أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول -ﷺ- لم يبلغ الرسالة - كما تقدم - وهذا شامل لكل البدع.
الوجه الثالث: أنه لا دليل ولا أثارة من علم على هذه الدعوى.
والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بيناتٍ؛ أصحابُها أدعياء.
فإذا كان كذلك فلا يلتفت إليها.
الوجه الرابع: أن السلف من الصحابة ومن بعدهم شددوا حتى في البدع العملية، كإنكار ابن مسعود على الذين اجتمعوا حلقًا، وشدَّد عليهم، وذكر لازم فعلهم.
وكشدة إنكار عمارة بن رؤيبة على بشر بن مروان مع أنه والٍ، أخرج مسلم (^٢) عن عمارة بن رؤيبة، قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رقم (٨٧٤).
[ ١٥٥ ]
فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله -ﷺ- ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة».
وأخرج ابن أبي شيبة (^١) عن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر فقرأ: (ألم تر كيف فعل ربك)، و(لإيلاف قريش)، ثم رأى أقوامًا ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم فقالوا: مسجد صلى فيه النبي -ﷺ-. فقال: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مر بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليصلِّ، وإلا فليمضِ».
وهذا تشديد من الفاروق في بدعة عملية بأن جعلها سببًا للهلاك.
وروى ابن وضاح (^٢) عن يونس بن عبيد قال: «كانوا يجتمعون، فأتاهم الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد، ما ترى في مجلسنا هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطنعون على أحد، نجتمع في بيت هذا يومًا، وفي بيت هذا يومًا، فنقرأ كتاب الله، وندعو ربنا، ونصلي على النبي -ﷺ-، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؟ قال: فنهى عن ذلك الحسن أشد النهي».
الوجه الخامس: أن أقوال السلف من الصحابة السابقين ومن بعدهم متفقة على ذم البدع، وأنها أشدّ من المعاصي الشهوانية، ولم يفرقوا في ذلك بين العملية والعقدية، وهذا عموم منهم، وكذلك الإجماع الذي حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وما قرره الشاطبي فيما سبق أن البدع كلها كبائر، لأن كل البدع داخلة في
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١).
(٢) البدع (ص ٤٢).
[ ١٥٦ ]
عموم قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [.
الوجه السادس: أن أهل العلم إذا قالوا: من فعل كذا من البدع فهو أشد إثمًا من شرب الخمر أو غيره، فهذا تأصيل عام، ولا يلزم منه الحكم على المعين أنه تلبس بهذا الإثم أو بوصف الابتداع، وفرق بين الحكم على النوع والعين، فليس كل من وقع في بدعة صار مبتدعًا - كما تقدم -.
رد زعمه أن الاختلاف في التبديع يقتضي عدم تحرير البدعة