قال الكاتب: «التاسع: رقية أبي سعيد الخدري رجلًا لدغته عقرب، وكان الرجل سيد قومه، وقد أبى أولئك القوم أن يضيفوا أبا سعيد ورهطه -﵃-، فرقاه بفاتحة الكتاب (^١)، وجاء في رواية أنه قرأها ثلاثًا وفي رواية سبعًا، ولم يحدد العدد في روايات أخرى، وكان الباعث لرقية أبي سعيد اجتهادًا من عنده، وليس
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠٠٧)، مسلم رقم (٢٢٠١).
[ ١٣٣ ]
توقيفيًّا من الرسول، فقد جاء في رواية: فجعل رسول الله -ﷺ- يقول: وما يدريك أنها رقية؟ قلت يا رسول الله ما دريت أنها رقية، ولكن شيء ألقى الله في نفسي، وفي رواية: ألقي في روعي، كما أن عدد مرات القراءة كان اجتهادًا من أبي سعيد -﵁-، ولم يكن عنده منه توقيف» (^١).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الرقية ليست من العبادات التي مبناها على التوقيف، بل هي من التداوي الذي مبناه على التجربة، ويدل لذلك حديث عوف بن مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (^٢)، فقد قبل رسول الله -ﷺ- من صحابته رقاهم، مع أن فيهم من كان يرقي في الجاهلية برقى معروفة، ومع ذلك لم يمنع رقيته بشرط ألا تكون شركًا، فدل هذا على أن الرقية من باب التداوي لا العبادات.
قال الإمام ابن تيمية: «ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلًا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي -ﷺ- الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم حتى برئ، فأخذوا القطيع؛ فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة» (^٣).
_________________
(١) (ص ١٣٠).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٢٠٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٠٧).
[ ١٣٤ ]
قال ابن القيم: «ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحاب النبي -ﷺ- القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي، فرقاه أحدهم حتى برئ، والجعل كان على الشفاء لا على القراءة» (^١).
قال ابن عابدين: «لأن المتقدمين المانعين الاستئجار مطلقًا جوزوا الرقية بالأجرة ولو بالقرآن كما ذكره الطحاوي؛ لأنها ليست عبادة محضة بل من التداوي» (^٢).
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «والكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعًا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبًّا للقرآن أو حبًّا فيه، ولا حبًّا للقارئ، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو العلاج، ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء، لأنهم جعلوه على الشفاء لا على التلاوة» (^٣).
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ٢٩١).
(٢) حاشية ابن عابدين = رد المحتار (٦/ ٥٧).
(٣) فتاواه (١/ ٢٤٣).
[ ١٣٥ ]
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد تكرار استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة