ذمُّ الشَّرعِ والسلفِ للبدع
قد تكاثرت الأدلة وكلمات سلف هذه الأمة في ذم البدع ووصفها بالضلالة، ومن أصول هذا الباب ما أخرج الشيخان (^١) عن عائشة -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ».
وأخرج مسلم (^٢) عن جابر أن رسول الله -ﷺ- قال: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨).
(٢) رقم (٨٦٧).
[ ١٣ ]
وأخرج الخمسة إلا النسائي (^١) عن العرباض بن سارية أن رسول الله -ﷺ- قال: «وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإنها ضلالة».
وثبت عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» (^٢).
وثبت عن أبي الدرداء أنه قال: «اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، إنَّك إنْ تتَّبعْ خيرٌ مِنْ أن تبتدع، ولن تخطئ الطَّريقَ ما اتَّبعْتَ الأثر» (^٣).
وثبت عن أبيِّ بن كعب -﵁- أنه قال: «عليكم بالسَّبيل والسُّنة، فإنه ليس من عبدٍ على سبيل وسنَّةٍ ذكَر الرحمنَ ففاضت عيناه من خشية الله، فتمسَّه النَّارُ، وليس من عبدٍ على سبيل وسنَّةٍ ذكرَ الرَّحمن فاقشعرَّ جلدُه من مخافة الله إلَّا كان مثَلُه كمثل شجرة يبس ورقها، فبينما هي كذلك إذ أصابتها الريح فتَحاتَّ عنها ورقُها، إلا تحاتَّت عنه ذنوبه كما تَحاتَّ عن هذه الشَّجرة ورقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنَّة خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيلٍ وسنَّة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد رقم (٤/ ١٢٦)، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه أبو نعيم والبزار والحاكم وابن عبد البر والضياء المقدسي والشيخ الألباني، وحسنه البغوي وابن القيم، انظر جامع العلوم والحكم (٢/ ١٠٩)، وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٦٤)، وشرح السنة (١/ ٢٠٥)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٤٨)، واتباع السنن واجتناب البدع (ص ٢٠)، وإرواء الغليل (٨/ ١٠٧).
(٢) أخرجه المروزي في السنة رقم (٨٩).
(٣) السنة للمروزي رقم (١٠٠)، وأخرجه اللالكائي (١١٥) مختصرًا.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (ص ١٦١) وظاهر إسناده الصحة، وابن المبارك في الزهد (٢/ ٢١)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٩)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٤).
[ ١٤ ]
وعن ابن عمر أنه قال: «كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها النَّاس حسنةً» (^١).
وقال سعيد بن جبير: «لأنْ يصحبَ ابني فاسقًا شاطرًا سُنِّيًا، أحبُّ إليَّ من أن يصحبَ عابدًا مبتدعًا» (^٢).
وقال أرطاةُ بن المنذر: «لأن يكون ابني فاسقًا من الفسَّاق أحبُّ إليَّ من أن يكون صاحبَ هوى» (^٣).
قال الفضيل بن عياض: «لأن آكل عند اليهوديِّ والنصرانيِّ أحبُّ إليَّ من أن آكلَ عند صاحبِ بدعة، فإني إذا أكلتُ عندهما لا يُقتَدى بي، وإذا أكلتُ عند صاحبِ بدعةٍ اقتَدَى بيَ النَّاسُ، أُحِبُّ أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصْنٌ مِنْ حديدٍ» (^٤).
قال الإمام الشَّافعي: «لأن يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك، خيرٌ من أن يلقاه بشيءٍ من الهوى» (^٥).
قال الإمام أحمد: «قبورُ أهل السُّنة من أهل الكبائر روضةٌ، وقبورُ أهل البدعة من الزُّهَّاد حفرةٌ، فسَّاق أهلِ السنَّة أولياءُ الله، وزهَّادُ أهلِ البدعة أعداءُ الله» (^٦).
_________________
(١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: ١٨٠).
(٢) الشرح والإبانة رقم (٨٩).
(٣) المرجع السابق رقم (٨٧).
(٤) حلية الأولياء (٨/ ١٠٣).
(٥) أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص ٢٣٩).
(٦) طبقات الحنابلة (١/ ١٨٤)
[ ١٥ ]
قال البَرْبهاريُّ: «وإذا رأيتَ الرجل من أهل السنَّة رديء الطَّريقِ والمذهب، فاسقًا فاجرًا صاحبَ معاصٍ، ضالًّا وهو على السنة؛ فاصحَبْه، واجلس معه، فإنَّه ليس يضرُّك معصيتُه، وإذا رأيتَ الرجل مجتهدًا في العبادة متقشفًا محترقًا بالعبادة صاحبَ هوى، فلا تجالسْه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمشِ معه في طريق، فإنِّي لا آمنُ أن تستحليَ طريقته؛ فتهلكَ معه.
ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: «يا بنيَّ من أين جئتَ؟ قال: من عند فلان، قال: يا بنيّ! لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحبُّ إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بنيّ زانيًا فاسقًا سارقًا خائنًا، أحبُّ إلي من أن تلقاه بقولِ فلان وفلان».
ألا ترى أنَّ يونسَ بن عبيد قد علم أن الخنثى (^١) لا يضل ابنه عن دينه، وأنَّ صاحب البدعة يضلُّه حتى يكفر؟!» (^٢).
قال ابن القيم: «بل ما أكثر من يتعبد الله بِما حرَّمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعةٌ وقربةٌ، وحاله في ذلك شرٌّ من حال من يعتقد ذلك معصيةً وإثمًا، كأصحاب السماع الشعري الذي يتقربون به إلى الله تعالى، ويظنون أنَّهم من أولياء الرَّحمن، وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان» (^٣).
_________________
(١) في لسان العرب (٢/ ١٤٥): «الخنثى: الذي له ما للرجال والنساء جميعا».
(٢) شرح السنة رقم (١٣٩). وهذه الكلمات من السلف ليست تهوينًا للمعاصي الشهوانية، وإنما لبيان عظيمِ جُرْم البدع، وأنها أشد إثمًا من المعاصي الشهوانية التي يستنكرها عامة الناس أكثرَ من البدع.
(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ١٨١).
[ ١٦ ]