ما تركه رسول الله -ﷺ- وصحابته من العبادات مع وجود
المقتضي وانتفاء المانع فهو سنة تركية ففعله بدعةٌ منكرة
هذه مقدمة مهمةٌ، وبضبطها تنجلي كثيرٌ من البدع، فإن ترك رسول الله -ﷺ- للعمل مع إمكان فعله - وهو الحريص كل الحرص على طاعة ربه وأخشى خلق الله وأتقاهم له - والمانع منتفٍ؛ حجةٌ كفعله للعبادة، فإن فعله -ﷺ- سنةٌ وتركه -ﷺ- سنةٌ، لكن لا يصح الاستدلال بالسنة التركية إلا عند توفُّر الدواعي للنقل ثم لا يُنقَل، وأقوى ما يتصور هذا فيما إذا نقل جزء العبادة دون جزئها الآخر، كما أشار لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) على أن الأصل في العبادات أنها مما تتوافر الدواعي على نقلها، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل بيّن وبرهان واضح، فصلاة الرغائب والألفية لم يثبت فيها حديث عن رسول الله -ﷺ- وأصحابه، ففعلها مع ترك رسول الله وصحابته لها مع إمكان فعلهم لها، ولا مانع يمنع؛ هو من جملة البدع، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
أما ما ترَكَه رسول الله -ﷺ- لوجود مانعٍ فليس داخلًا في البدع، وذلك كاستخدام مكبّرات الصّوت في الأذان، فلو فعله رسول الله -ﷺ- لَنُقِل، لكن لا يصح وصفه بالبدعة، لأنّه وجد مانع من فعله؛ وهو عدم وجوده في زمن النبي -ﷺ-، وكصلاة القيام جماعةً في رمضان، فإن رسول الله -ﷺ- تركه خشية أن يُفترض، فلما زال المانع بموته - إذ الوحي انقطع فما لم يكن مفروضًا فلن يفرض -؛ أمر الفاروق عمر بن الخطاب بفعلها كما ثبت في صحيح البخاري.
_________________
(١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص ٥٢) وما بعدها.
[ ٦١ ]
فيتلخّص مما تقدم أنّه لا يصح وصف عبادة تركها رسول الله -ﷺ- أو صحابته بأنّها بدعة إلا إذا اجتمع فيه أمران:
أ- توفر الدواعي للنقل، وهذا هو الأصل في كل عبادة، ولا ينتقل عنه إلا ببرهان واضح.
ب- أن لا يوجد مانع يمنع رسول الله -ﷺ- أو صحابته من فعلها. والله أعلم.
الأدلة على هذه المقدمة نوعان عامةٌ وخاصةٌ:
أما الأدلة العامة فكل ما سبق من الأدلة القرآنية والحديثية في تحريم البدع، فإن فعل ما تركه رسول الله -ﷺ- من العبادات مع إمكان فعلها بدون مانع إحداثٌ في الدِّين.
أما الأدلة الخاصة فكثيرة وهذا بعضها:
١ - روى مسلم (^١) عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله -ﷺ- ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة».
وجه الدلالة: أن الصحابي عمارة بن رؤيبة استدل بالسنة التركية في الإنكار على بشر بن مروان؛ لأنه فعل عبادة لم يفعلها رسول الله.
٢ - روى الشيخان (^٢) عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي -ﷺ-، يسألون عن عبادة النبي -ﷺ-، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها وقالوا:
_________________
(١) رقم (٨٧٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٠٦٣)، ومسلم رقم (١٤٠١).
[ ٦٢ ]
أين نحن من النبي -ﷺ- قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا فجاء رسول الله -ﷺ- إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وجه الدلالة: أن هؤلاء لم يعتبروا السُّنَّة التركية دليلًا - تأوُّلًا منهم -، فأنكر عليهم رسول الله -ﷺ- وبين أن التارك للسنة التركية تاركٌ لسنته.
٣ - روى الشيخان (^١) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنت؟ قالت: لست بحروريةٍ، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
وجه الدلالة: أن عائشة أم المؤمنين استدلت بتركهم وإقرار رسول الله -ﷺ- لذلك.
٤ - روى البخاري (^٢) عن زيد بن ثابت في قصة جمع القرآن وأن عمر بن الخطاب أشار على أبي بكر بجمع القرآن، فقال له أبو بكر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -ﷺ-؟ فلما أن شرح الله صدر أبي بكر لهذا كلَّف زيد بن ثابت به فقال زيدٌ: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله -ﷺ-؟.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢١)، ومسلم رقم (٣٣٥).
(٢) رقم (٤٩٨٦).
[ ٦٣ ]
وجه الدلالة: أن كلًّا من أبي بكرٍ وزيدٍ احتجا بالسنة التركية (^١).
٥ - أخرج البخاري (^٢) عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما.
وجه الدلالة: أنه ترك ما هم به استدلالًا بالسنة التركية.
٦ - ثبت عند الدارمي في سننه (^٣)، وابن وضاح في كتاب ما جاء في البدع (^٤)، وغيرهم، عن عمرو بن سلمة قال: «كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ - والحمد لله - إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقةٍ رجلٌ، وفي أيديهم حصًا، فيقول: كبِّروا مائة، فيكبِّرون مائة، فيقول: هللوا مائةً، فيهللون مائةً، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبِّحون مائةً، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال:
_________________
(١) فإن قيل كيف خالفوا ما ظنوه سنة تركية؟ فيُقال لأن المقتضي من فعلها في زمن رسول الله -ﷺ- لم يكن موجودًا إذ كان الرسول -ﷺ- بينهم حافظًا للقرآن فلا يخشى ذهابه بخلاف ما بعد وفاته -ﷺ-. وقد سبق تقرير حجية السنة التركية عند وجود المقتضي وانتفاء المانع والمانع في زمن رسول الله -ﷺ- لم ينتف لأن القرآن محفوظ بوجوده. وقد تقدم.
(٢) رقم (١٥٩٤).
(٣) رقم (٢١٠).
(٤) (١/ ٣٨).
[ ٦٤ ]
ما قلتُ شيئًا انتظارَ رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدُّوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم؟، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقةً من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصًا نعدُّ به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ ألا يضيع من حسناتكم شيءٌ، وَيحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم -ﷺ- متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملَّةٍ هي أهدى من ملَّة محمد، أو مفتِّحو باب ضلالةٍ، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريدٍ للخير لن يُصيبه، إن رسول الله -ﷺ- حدثنا: «إنَّ قومنا يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم». وايم الله لا أدري، لعلَّ أكثرهم منكم، ثم تولَّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».
وجه الدلالة: أن الصحابي ابن مسعود اعتمد في الإنكار على هؤلاء بأن رسول الله -ﷺ- وأصحابه لم يفعلوا هذا الأمر (السنة التركيَّة)، ففعلهم ما بين أمرين: أن يزعموا أنه أهدى، أو أن يكونوا مفتتحين لباب ضلالةٍ، والثاني هو المتعيِّن، وبعد ذكر هذه الأدلة العامة والخاصة في بيان حجية السنة التركية بضوابطها، فإن أهل العلم قرروا حجية السنة التركيَّة.
قال الشافعي: «وللناس تبرٌ غيره من نحاس وحديد ورصاص، فلما لم يأخذ منه رسول الله ولا أحد بعده زكاة؛ تركناه اتباعًا بتركه» (^١).
_________________
(١) كتاب الرسالة (ص ١٩١).
[ ٦٥ ]
وقال أيضًا: «بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة فعلًا أو تركًا» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والترك الراتب سنَّةٌ كما أن الفعل الراتب سنةٌ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ، أو فوات شرطٍ، أو وجود مانعٍ، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذٍ، كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس في التراويح على إمامٍ واحدٍ، وتعلُّم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يُحتاج إليه في الدِّين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه -ﷺ- لفوات شرطه أو وجود مانعٍ، فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، وَلَفَعَله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأنه بدعةٌ وضلالةٌ، ويمتنع القياس في مثله ..» (^٢).
وقال: «فحاصُلُه أن الرسول -ﷺ- أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أولى من فعله، وما فعله ففعله أكمل من تركه» (^٣).
وقال: «والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوعٌ في مقابلة النَّص، وذاك أن ترْكه -ﷺ- سنةٌ كما أن فعله سنةٌ» (^٤).
_________________
(١) بواسطة فتح الباري لابن حجر (٣/ ٤٧٤).
(٢) القواعد النورانية (ص ١٥٠)، وانظره في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢).
(٣) الصارم المسلول (١/ ١٧٤).
(٤) شرح العمدة قسم الصلاة (ص ١٠٠).
[ ٦٦ ]
وقال: «ولأن التلفظ بذلك لم يُنقل عن النبي -ﷺ-، ولا عن أصحابه، ولا عن أحدٍ من التابعين لهم بإحسانٍ، ومعلومٌ أن ذلك لو كان مستحبًّا لفعلوه وعلَّموه وأمروا به، ولو كان ذلك لنُقل كما نُقل سائر الأذكار، وإذا لم يكن كذلك كان من محدثات الأمور …» (^١).
وقال: «بل يُقال ترك رسول الله -ﷺ- مع وجود ما يعتقد مقتضيًا، وزوال المانع سنةٌ كما أن فعله سنةٌ، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كان ترك الأذان فيهما سنةً، فليس لأحدٍ أن يزيد في ذلك.
- ثم قال: - ومع هذا لم يفعله رسول الله -ﷺ-، فهذا الترك سنةٌ خاصةٌ، مقدمةٌ على كل عمومٍ وكل قياس» (^٢).
وقال: «لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي -ﷺ- ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدِّين الذي يقرِّب إلى الله ما لم يعلمه النبي -ﷺ- والصحابة والتابعون وسائر الأئمة، وإن علموه امتنع مع توفُّر دواعيهم على العمل الصالح وتعليم الخَلق والنصيحة لهم ألَّا يعلموا أحدًا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحدٌ منهم، فإذا كان هذا الفضل المدَّعى مستلزمًا لعدم علم الرسول -ﷺ- وخير القرون لبعض دين الله، ولكتمانهم وتركهم ما تقضي شريعتهم وعاداتهم ألا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحدٍ من اللازمَين منتفٍ إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع؛ علم انتفاء الملزوم وهو الفضل المدَّعَى» (^٣).
_________________
(١) شرح العمدة قسم الصلاة (ص ٥٩١).
(٢) الاقتضاء (٢/ ١٠٣).
(٣) المرجع السابق (٢/ ١١٤).
[ ٦٧ ]
قال ابن القيم: «لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي -ﷺ-، فإذا لم يفعله ولم يشرَعه كان تركه هو السنة. - ثم قال: -
فلذلك كان الصحيح أنه لا يُسنّ الغُسل للمبيت بمزدلفة، ولا لرمي الجمار، ولا للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء؛ لأن النبي -ﷺ- وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات» (^١).
قال العيني: «وكذا قال الأكمل: أن الترك مع حرصه -﵇- على إحراز فضيلة النفل دليل الكراهة» (^٢).
قال الشاطبي: «ثم إطلاقه القولَ بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك، غير جار على أصول الشرع الثابتة، فلنقرر هنا أصلًا لهذه المسألة لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه ..
وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما، أو تركه لأمر ما؛ على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه، لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي -ﷺ-، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين.
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٤١٨).
(٢) البناية شرح الهداية (٢/ ٧١).
[ ٦٨ ]
- ثم قال: - والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمرًا ما من الأمور، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان من الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العملي الخاص موجودًا، ثم لم يشرع، ولا نبه على استنباطه؛ كان صريحًا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لقصد الشارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حُدَّ هنالك، لا الزيادة عليه، ولا النقصان منه» (^١).
قال ابن رجب: «فأما ما اتفقوا على تركه فلا يجوز العمل به، لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يُعمل به» (^٢).
قال القَسْطُلَّاني: «وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوى بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذى فعله» (^٣).
قال علي محفوظ: «قال ملا أحمد الرومي الحنفي صاحب (مجالس الأبرار) ما ملخصه: لا تكون البدعة في العبادات البدنية - كالصلاة والصوم والذكر والقراءة - إلا سيئةً؛ لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة وعدم مشروعية،
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٢٨١).
(٢) كتاب بيان فضل علم السلف على الخلف (ص ٤).
(٣) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (٣/ ١٩٦).
[ ٦٩ ]
والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي -ﷺ- عدم التنبه أو التكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة.
وكذلك يقال لكلِّ من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة، إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونه بدعة حسنة؛ لما وجد في العبادات ما هو بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الرغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفي الأذان، وقراءة القرآن في الركوع مثلًا، والجهر بالذكر أمام الجنازة؛ ونحو ذلك .. من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية؛ فهو إما غير بدعة فلا يتناوله ذمّ الشارع، ويبقى عموم حديث: «كل بدعة ضلالة» (^١)، وحديث: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) على حاله لا تخصيص فيه، وإمَّا بدعة ويكون مخصوصًا من هذا العام وخارجًا منه، فمن ادّعى الخصوص فيما أحدث وأنه خارجٌ من عموم الذي احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختصٌّ بأهل الاجتهاد، ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٧٠ ]
والحاصل أن كل ما أحدث ينظر في سببه؛ فإن كان لداعي الحاجة بعد أن لم يكن - كنظم الدلائل لرد الشبه التي لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي -ﷺ- كجمع القرآن؛ فإن المانع منه كون الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال - كان حسنًا، وإلا فإحداثه بمحض العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى، مثلًا الأذان في الجمعة سنة، وقبل صلاة العيد بدعة، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾] الأحزاب: ٤١ [. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾] فصلت: ٣٣ [. فيقول قائل: هذا زيادة عمل صالح لا يضر، لأنه يقال له: هكذا تتغير شرائع الرسل».
ثم قال: «وقد علمت من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي -ﷺ- مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، وعلمت أن لا معنى للابتداع في العبادات المحضة، لأن النبي -ﷺ- لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين، وأتم نعمته على المسلمين، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾] المائدة: ٣ [وروى الطبراني (^١) بسند صحيح عن رسول الله -ﷺ- قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم من الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه»، وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول بفعله وتركه؛ هو من اتباع
_________________
(١) وجدت قريبًا منه عند ابن أبي شيبة (٧/ ٧٩) ولفظه: «عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيها الناس، إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه».
[ ٧١ ]
المتشابه الذي نهى الله عنه، ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لانفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده، ولا يقف الاختراع في الدين، عند حد، وإليك أمثلة في ذلك زيادة على ما تقدم:
الأول: جاء في حديث الطبراني: «الصلاة خير موضوع» (^١).
لو تمسكنا بعموم هذا، كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة؟ وهي اثنتا عشرة ركعة عقب المغرب ليلة الجمعة الأولى من رجب، يفصل بين ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاث مرات، والإخلاص اثنتي عشرة مرة، وكيف تكون صلاة شعبان بدعة مذمومة وهي مائة ركعة، كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الإخلاص إحدى عشرة مرة، مع دخولهما في عموم الحديث؟ وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتي. - ثم قال: -
الثاني: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾] فصلت: ٣٣ [.
وقال -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١].
إذا استحب لنا إنسان الأذان للعيدين والكسوفين والتراويح، وقلنا: كيف والنبي -ﷺ- لم يفعله، ولم يأمر به، وتركه طول حياته؟!، فقال لنا: إن المؤذن داع إلى الله، وإن المؤذن ذاكر لله، كيف تقوم عليه الحجة، وكيف تبطل بدعته؟!.
الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية.
_________________
(١) المعجم الأوسط (١/ ٨٤)، وفيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف.
[ ٧٢ ]
لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام في قيام الصلاة، وركوعها، واعتدالها، وسجودها، إلى غير ذلك من الأمكنة التي لم يضعها الرسول -ﷺ- فيها، ومن الذي يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك، وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة؟ وكيف هذا مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^١) رواه البخاري؟ فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع وعلى الوجه الذي شرع. - ثم قال: -
ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة، كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت، تركه النبي -ﷺ- وتركه الصحابة مع قيام المقتضي للفعل، وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه» (^٢).
قال العلامة ابن باز: «لكن المواضع التي لم يرفع فيها النبي -ﷺ- لا يجوز الرفع فيها، لأن فعله سنة وتركه سنة ﵊، وذلك مثل الدعاء بين السجدتين، والدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، فإنه لا يُشرَع الرفع فيه؛ لأن النبي -ﷺ- لم يرفع في ذلك، وهكذا الدعاء بعد الصلوات الخمس بعد الفراغ من الذكر، فإنه لا مانع من الدعاء بينه وبين نفسه بعد الذكر لوجود أحاديث تدل على ذلك، ولكن لا يشرع في ذلك رفع اليدين؛ لأن النبي -ﷺ- لم يفعل ذلك» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٣١).
(٢) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٣٣ - ٣٧)، ونقل بعضه الإمام الألباني وأقره في كتاب صلاة التراويح (ص ٣٧).
(٣) مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ١٧٩)
[ ٧٣ ]
وقال العلامة الألباني: «من المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادةٍ مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله -ﷺ- بقوله، ولم يتقرَّب هو بها إلى الله بفعله، فهي مخالفةٌ لسنته، لأن السنة على قسمين؛ سنةٌ فعليةٌ وسنةٌ تركيةٌ، فما تركه -ﷺ- من تلك العبادات، فمن السنة تركها، ألا ترى مثلًا أن الأذان للعيدين ولدفن الميت مع كونها ذكرًا وتعظيمًا لله -﷿-، لم يجز التقرُّب به إلى الله -﷿-، وما ذاك إلا لكونه سنةً تركها رسول الله -ﷺ-، وقد فهم هذا المعنى أصحابه -ﷺ-، فكثر عنهم التحذير من البدع تحذيرًا عامًّا، كما هو مذكور في موضعه» (^١).
قال العلامة ابن عثيمين: «ولدينا قاعدة مهمة لطالب العلم وهي: «أن كل شيء وجد سببه في عهد الرسول ﵊، فلم يحدث له أمرًا، فإن من أحدث له أمرًا فإحداثه مردود عليه».
لأننا نقول: هذا السبب الذي جعلته مناط الحكم موجود في عهد الرسول ﵊، فلماذا لم يفعله؟ فترك النبي -ﷺ- الشيء مع وجود سببه يكون تركه سنّة، والتعبُّد به غير مشروع» (^٢).
فائدة: جعل ابن القيم السنة التركية قسمين، وذكر أمثلة مفيدة على كل قسم، فقال: «وأما نقلهم لتركه -ﷺ- فهو نوعان، وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: «ولم يغسلهم ولم يصل» (^٣)،
_________________
(١) حجة النبي -ﷺ- (ص ٩٩).
(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٥/ ١٣٣).
(٣) أخرجه البخاري رقم (١٣٤٧).
[ ٧٤ ]
وقوله في صلاة العيد: «لم يكن أذان ولا إقامةٌ ولا نداءٌ» (^١)، وقوله في جمعه بين الصلاتين «ولم يسبح بينهما» (^٢)، ولا على أثر واحدةٍ منهما، ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٍ منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحدٌ منهم ألبتة، ولا حدث به في مجمع أبدًا، عُلم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفُّظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: «اللهم اهدنا فيمن هديت» يجهر بها ويقول المأمومون كلهم «آمين»، ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا رجلٌ ولا امرأةٌ ألبتة، وهو مواظبٌ عليه هذه المواظبة لا يخلُّ به يومًا واحدًا، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار، ولطواف الزيارة، ولصلاة الاستسقاء، والكسوف، ومن ههنا يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه -ﷺ- سنةٌ كما أن فعله سنةٌ، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق، فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله؟ وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم!، فهذا سؤالٌ بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحَّ هذا السؤال وقُبِل لا ستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحبٌّ آخر الغسل لكل صلاةٍ، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟، واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر النداء بعد الأذان:
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٨٨٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٦٧٣).
[ ٧٥ ]
للصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟، واستحبّ لنا آخرُ لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه، ورفعُ المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله واسم رسول الله -ﷺ- جماعةً وفُرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟ واستحبَّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنقل؟ وانفتح باب البدعة وقال: كل من دعا إلى باب بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟» (^١).