لا يوصف شيء محدث بأنه بدعة شرعًا إلا إذا عدّه عبادة
من أعظم ضوابط البدعة أنها لا تكون إلا فيما يُتعبَّد ويُتديَّن به، والأدلة على هذا كثيرةٌ من الكتاب والسنة الصحيحة، ومنها هذان الدليلان:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [وجه الدلالة أنهم جمعوا بين التشريع (الإحداث)، والزعم أنه من الدِّين المقرِّب لله، فصارت شاملةً للبدع. وبهذه الآية استدل العلماء المحققون على حرمة البدع كما سيأتي - إن شاء الله - من كلام ابن جرير وابن تيمية وابن رجب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والعادات؛ الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾] يونس: ٥٩ [» (^١).
الدليل الثاني: عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ» متفق عليه (^٢).
_________________
(١) القواعد النورانية (ص: ١٦٤).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٧ ]
قال الحافظ العلائي: «والرَّد هنا باتفاق أئمة اللغة والحديث بمعنى (المردود)» (^١).
وجه الدلالة: قوله (أمرنا) أي ديننا. فعلى هذا خرجت البدع الدنيوية من أصل الحظر والمنع، فلا يمنع شيءٌ منها إلا بدليلٍ، فلا يصح لأحدٍ أن يمنع السيارات الحديثة والطائرات ونحوهما بحجة أنهما غير موجودين في عهد رسول الله -ﷺ-، لأن هذه أمورٌ دنيوية لا أمورٌ دينية.
وقد قرر هذا العلماء، قال ابن جرير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ..﴾: «يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله شُرَكاءُ في شِركهم وضلالتهم «شَرعُوا لهم من الدِّين مالم يأذن به الله» يقول: ابتدعوا لهم من الدِّين ما لم يُبح الله لهم ابتداعَه».
وتقدم ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن فقهاء أهل الحديث، كأحمد وغيره.
ولما ألف الطرطوشي وأبو شامة كتابيهما في البدع بينا أن المرادَ بالبدع الإحداثُ في الدين.
قال الطرطوشي المالكي: «وقسم يظنه معظمهم - إلا من عصم الله - عباداتٍ، وقربات، وطاعات، وسننًا.
فأما القسم الأول، فلم نتعرض لذكره؛ إذ كُفينا مؤنة الكلام فيه؛ لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين» (^٢).
فبين بهذا أن كتابه المؤلف في البدع إنما هو فيما يتعلق بالإحداث في الدين.
وقال أبو شامة الشافعي: «فوصف ذلك عبد الله - أي ابن مسعود - بأنه بدعة لما كان موهمًا أنه من الدين، لأنه قد ثبت أن التجرد مشروع في الإحرام بنسك الحج والعمرة» (^٣).
وقال: «فأمَّا القسم الأول فلا نطيل بذكره إذ قد كفينا مؤنة الكلام فيه لاعتراف فاعله انه ليس من الدين» (^٤).
_________________
(١) تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (ص: ١١١).
(٢) الحوادث والبدع (ص: ٢١).
(٣) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: ٢١).
(٤) المرجع السابق (ص: ٢٥).
[ ١٨ ]
وقال أيضًا: «وأما القسم الثاني الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك، أو تركه أفضل من فعله، فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله، وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور؛ من زمان مخصوص أو مكان معين، كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أُمِرَ به شخصٌ دون غيره، كالذي اختص النبي -ﷺ- من المباحات والتخفيفات، فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك، ويقيس الصور بعضها على بعض ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة، ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحملهم ذلك الحرص على فعلها في أوقاتٍ وأماكنَ نهاهم الشرع عن اتخاذ تلك الطاعات فيها» (^١).
_________________
(١) المرجع السابق (ص: ٢٨).
[ ١٩ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد قرَّرنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة: أنَّ البدعة هي الدِّين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دِينًا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك» (^١).
وقال: «وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله» (^٢).
وقال: «وهو سبحانه إنما يُعبَد بما شَرع من الدين، لا يُعبَد بما شُرع من الدين بغير إذنه؛ فإن ذلك شرك، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ - إلى قوله - ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾] الشورى: ١٣ [.
والدين الذي شرعه إما واجب وإما مستحب، فكل من عبد عبادة (^٣) ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانت من الشرك والبدع، والحج إلى القبور ليس من شرعه لا واجبًا ولا مستحبًّا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثًا صحيحًا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه ولا علماء أمته» (^٤).
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٥).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٤).
(٣) لعل الصواب: «تعبد بعبادة».
(٤) الأخنائية (ص: ٤٩٨).
[ ٢٠ ]
وقال: «وقد قررنا في القواعد في قاعدة السُّنة والبدعة؛ أن البدعة هي الدِّين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دينًا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾» (^١).
وقال: «ومعنى ذلك أنه لا يشرع الاجتماع لهذا السماع المحدث، ولا يؤمر به، ولا يُتَّخذ دينًا وقربة، وأنَّ القُرَبَ والعباداتِ إنما تؤخذ عن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فكما أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، فإنه لا دين إلَّا ما شرعه الله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾» (^٢).
وقال الشاطبي: «وإنما قُيِّدت بالدِّين لأنها فيه تُخْتَرع، وإليه يضيفها صاحبها أيضًا، فلو كانت طريقةً مخترعةً في الدنيا على الخصوص؛ لم تُسمَّ بدعةً، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم …» اهـ (^٣).
وقال ابن رجب: «فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصلٌ من الدِّين يُرجع إليه؛ فهو ضلالةٌ» اهـ (^٤).
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٥).
(٢) التحفة العراقية (ص: ٧٣).
(٣) الاعتصام (١/ ٤٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٨).
[ ٢١ ]