العمل بالعام أو المطلق دون النّظر إلى عمل السّلف وفهمهم
في تخصيصه أو تقييده من جملة البدع
في هذه المقدمة تداخلٌ كبير مع المقدمة السابقة، إلا أنها أخص، لأنها تتعلق بالنصّ العام والمطلق، وذلك أنه إذا جاء نصٌّ عامٌّ أو مطلقٌ فدلَّ على أفرادٍ كثيرةٍ، فرأينا الرسول -ﷺ- والسلف الصالح عملوا ببعض أفراده دون بعض، فهذا يدل على أن الفرد الذي لم يعملوا به ليس داخلًا في العموم والإطلاق لأن تركهم سنةٌ تركيةٌ، والسنةُ التركيةُ مقدمةٌ على العموم، لأنها دليل خاص أو مقيد، وما كان كذلك فهو مقدمٌ على العام والمطلق، وما تقدم ذكره من أدلة ونقولات على المقدمة السابقة فهو أيضًا شامل لهذه المقدمة، لكن أفردت العامَّ والمطلق لأن اللبس فيهما أكثر والحاجة لهما أمس.
قال الإمام الشافعي: «وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …﴾ [الأنفال: ٤١] فلما أعطى رسول الله -ﷺ- بني هاشم وبني عبد المطلب سهم ذي القربى، دلَّت سنةُ
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٣١٠).
[ ٩١ ]
رسول الله -ﷺ- أن ذا القربى الذين جعل الله لهم سهمًا من الخمس بنو هاشم وبنو عبد المطلب دون غيرهم …» (^١).
فإن الإمام الشافعي - وهو أول من ألف في أصول الفقه - لم يتمسك بالعموم ولم يقل في فعل رسول الله -ﷺ- لما أعطى بني هاشم وبني عبد المطلب سهمًا أن هذا من باب ذكر بعض أفراد العام التي لا تقتضي التخصيص، بل قدَّم السنة التركية على العموم وجعلها مخصصةً له، إذ الخاص أقوى دلالةً من العام.
قال الإمام أحمد بن حنبل في رسالةٍ كتبها: «واعلم - رحمك الله - أن الخصومة في الدِّين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أُثر عن أصحابه -ﷺ- ويُعرف ذلك بما جاء عن النبي -ﷺ- أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي -ﷺ- وشهدوا تنزيله، وما قصَّ الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أخاصٌّ هو أم عامٌّ؟ فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله -ﷺ- ولا أحدٍ من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع، لأن الآية قد تكون خاصةً ويكون حكمها حكمًا عامًّا، ويكون ظاهرها على العموم، وإنما قُصدت لشيءٍ بعينه، ورسول الله -ﷺ- هو المعبِّر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك …» (^٢).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قلت لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء لا
_________________
(١) الرسالة (ص ٦٧ - ٦٨).
(٢) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الإيمان تحقيق الألباني (ص ٣٠٦).
[ ٩٢ ]
يريدون بالمجمل ما لا يُفهم منه، كما فسَّره بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقًّا.
- ثم قال: - ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي -ﷺ- وأصحابه طريق أهل البدع وله في ذلك مصنفٌ كبير» (^١).
وقال: «شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد» (^٢).
وقال: «وهذا الترك سنةٌ خاصةٌ مقدمةٌ على كل عموم وكل قياس» (^٣).
وقال: «وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم أنه يُستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: ١] ألف مرة، وربما استحبوا الصوم أيضًا، وعمدتهم في خصوص ذلك الحديث الذي يروى عن النبي -ﷺ- في ذلك، وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة» (^٤)، ثم رد الاستدلال بالعموم.
وقال: «ومما قد يغلط فيه الناس اعتقاد بعضهم أنه يستحبُّ صلاة العيد بمنى يوم النحر، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه، أخذًا بالعمومات اللفظية أو القياسية، وهذه غفلةٌ عن السنة ظاهرةٌ، فإن النبي -ﷺ- وخلفاءه لم يُصلُّوا بمنى عيدًا قط.
_________________
(١) الإيمان تحقيق الألباني (ص ٣٠٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٩٦).
(٣) الاقتضاء (٢/ ١٠٣).
(٤) المرجع السابق (٢/ ١٤٦).
[ ٩٣ ]
- ثم قال: - ومثل هذا ما قاله طائفةٌ - منهم ابن عقيل - أنه يُستحبُّ للمحرم إذا دخل المسجد الحرام أن يصلي تحية المسجد كسائر المساجد، ثم يطوف طواف القدوم أو نحوه، وأما الأئمة وجماهير الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم فعلى إنكار هذا، أما أولًا: فلأنه خلاف السنّة المتواترة من فعل النبي -ﷺ- وخلفائه، فإنهم لما دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف ثم الصلاة عقب الطواف، وأما ثانيًا: فلأن تحية المسجد الحرام هي الطواف كما أن تحية سائر المساجد هي الصلاة» (^١).
قال ابن دقيق العيد: «وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس: أن يُحْدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع، زاعمًا أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف، وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع: أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.
_________________
(١) القواعد النورانية (ص ١٤٩).
[ ٩٤ ]
- ثم قال: - والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع، ألا ترى أن ابن عمر -﵄- قال في صلاة الضحى: «إنها بدعة» (^١)؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره «إنه بدعة» (^٢)، ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء، وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة «إياك والحدث» (^٣) ولم ير إدراجه تحت دليل عام، وكذلك ما جاء عن ابن مسعود -﵁- فيما أخرجه الطبراني في معجمه (^٤) بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: «ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فأخبروه، فأتاه ابن مسعود متقنعًا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد -ﷺ- وأصحابه، يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة.
وفي رواية: «لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد -ﷺ- علمًا».
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٧٧٥)، ومسلم رقم (١٢٥٥).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٠٢).
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٤)، وابن ماجه رقم (٨١٥)، مسند أحمد (٣٤/ ١٧٥).
(٤) المعجم الكبير (٩/ ١٢٥).
[ ٩٥ ]
«فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل، مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات» (^١).
قال الشاطبي: «وقد تمهد أيضًا في الأصول أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجةً في غيره، فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمرٍ له دليلٌ مطلقٌ، فرأيت الأولين قد عملوا به على وجهٍ واستمرّ عليه عملهم، فلا حجة فيه على العمل على وجهٍ آخر، بل هو مفتقرٌ إلى دليلٍ يتبعه في إعمال ذلك الوجه» (^٢).
وقال: «وفي فصل البيان من كتاب «الموافقات» جملة من هذا، وهو مزلة قدم، فقد يتوهم أن إطلاق اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن أن يفرض في مدلوله وقوعًا، وليس كذلك، وخصوصًا في العبادات؛ فإنها محمولة على التعبد على حسب ما تلقي عن النبي -ﷺ- والسلف الصالح» (^٣).
وبهذا ينتهي القسم الأول بمقدماته الاثنتي عشرة.
_________________
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٠٠).
(٢) الموافقات (٣/ ٢٨٥).
(٣) الاعتصام (٢/ ٧١).
[ ٩٦ ]