كل عبادةٍ مشروعةٍ في الجملة فليس لأحدٍ أن يخصصها أو يقيِّدها
بمكانٍ أو زمانٍ أو كيفية أو سببٍ أو غير ذلك إلا بدليل
بهذه المقدمة يعرف كثير من البدع التي راجت باسم الدين، والتبس أمرها على بعض المسلمين، فإن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة والإكثار منها، فليس لأحد أن يشرع صلاة الرغائب أو الألفية بحجة أن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة، وكذلك جاءت الشريعة بالحث على الذكر، فليس لأحد أن يذكر الله بالذكر الجماعي، كحال الذين أنكر عليهم ابن مسعود وهكذا … والدليل على هذه المقدمة ما يلي:
الدليل الأول: كل دليل في التحذير من البدع - وقد تقدم -؛ لأن تخصيص العبادة أو تقييدها بمكان أو سبب … الخ تشريعٌ من الدين بلا دليل شرعي، فيكون من البدع.
الدليل الثاني: كل دليل في حجية السنة التركية - وقد تقدم -، وذلك أن هذا التعيين أو التخصيص لم يفعل، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
الدليل الثالث: أن هذا فهم الصحابة وهم خير القرون، كما في فعل ابن مسعود لما أنكر على الذين يذكرون الله حلقًا، وأخرج الحاكم أن رجلًا عطس عند عبد الله بن عمر -﵄-، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله -ﷺ-، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: «الحمد لله على كل
[ ٨٢ ]
حال» (^١)، فذكر أن الذكر والسلام على رسول الله مشروعان ومحبوبان لله، لكن لم يقيد الذكر بصفة لا دليل عليها، ولما قيد السلام على رسول الله -ﷺ- بسببٍ لا دليل عليه، أنكره ابن عمر، وقد قرر هذه المقدمة أهل العلم.
ولخفاء هذا الأصل وأهميته ألف أبو شامة كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) فقال: «فصل في القسم الثاني من البدع المشتبه أمره على الناس.
وأما القسم الثاني الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك أو تركه أفضل من فعله فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله، وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور من زمان مخصوص أو مكان معين؛ كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أُمر به شخص دون غيره، كالذي اختص النبي -ﷺ- من المباحات والتخفيفات، فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك، ويقيس الصور بعضها على بعض، ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة، ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحمهلم ذلك الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع عن اتخاذ تلك الطاعات فيها» (^٢).
ومما قال أبو شامة بعد أن أورد أحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان: «قلت: وليس في هذا بيان صلاةٍ مخصوصةٍ، وإنما هو مُشعرٌ بفضل هذه الليلة والتهجد، وقيام الليل مُستحبٌّ في جميع ليالي السنة وكان على النبي -ﷺ- واجبًا،
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٢٩٥)، وصححه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٩٤).
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢٨).
[ ٨٣ ]
فهذه الليلة بعضٌ من الليالي التي كان يصليها -ﷺ- أو يحييها، وإنما المحذور المنكر تخصيص بعض الليالي بصلاةٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ، وإظهار ذلك على مثل ما ثبت من شعائر الإسلام، كصلاة الجمعة والعيد وصلاة التراويح» (^١).
وقال: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقاتٍ لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البرِّ مرسلةً في جميع الأزمان، وليس لبعضها على بعضٍ فضلٌ إلا ما فضَّله الشرع وخصَّه بنوعٍ من العبادة.
- ثم قال: - فالحاصل أن المكلف ليس له منصبُ التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفةَ عبادة رسول الله -ﷺ-» (^٢).
قال العز بن عبد السلام: «لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سببَ لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصلح بدونها، وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة وإن كانت قربة إذا كان لها سبب صحيح، وكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون» (^٣).
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية: «قاعدةٌ شرعيةٌ: شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص
_________________
(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٣٨).
(٢) المرجع السابق (ص ٥١).
(٣) بواسطة: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٦١).
[ ٨٤ ]
والتقييد، فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختصُّ بعض أفراده ويقيد بعضها، فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعًا ولا مأمورًا به، فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كُرِه، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استُحبَّ، وإلاّ بقي غير مُستحبٍّ ولا مكروهٍ» (^١).
قال البعليُّ: «وقرَّر أبو العباس قاعدةً نافعةً وهي أن ما أطلقه الشارع بعملٍ يُطلق مسمَّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بمدةٍ» (^٢).
قال ابن القيم: «إن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، وليلتها بالقيام، سدًّا لذريعة اتخاذ شرعٍ لم يأذن به الله، من تخصيص زمانٍ أو مكانٍ بما لم يخصّه به، ففي ذلك وقوعٌ فيما وقع فيه أهل الكتاب» (^٣).
قال الشاطبي: «وليس كما توهموا؛ لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر أو العصر، أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك، حتى يثبت التفصيل بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٩٦).
(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٠) (الاختيارات العلمية).
(٣) إعلام الموقعين (٣/ ١١٦).
[ ٨٥ ]
وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلي أو النهاري في الجملة، وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص، ليس في شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام.
والدليل على ذلك: أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما، يتضمن حكمًا شرعيًّا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء مثلًا أو لعرفة، أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها، بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية الصيام النافلة؛ لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة فيه بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة التي قبله، فهو أمر زائد على مطلق المشروعية، ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك راجع إلى الحكم.
فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع المندوب خاصة، فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم: «إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح»، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من زيادة على المشروعات؛ كالتقييد بزمان ما، أو عدد ما، أو كيفية ما، فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادة ثابتة بغير الصحيح، وهو ناقض لما أسسه العلماء» (^١).
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٢٩).
[ ٨٦ ]
وقال الشاطبي: «وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلًا، فأتى به المكلف في الجملة أيضًا؛ كذكر الله، والدعاء، والنوافل المستحبات، وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان الدليل عاضدًا لعمله من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به، فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، مقارنًا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أن الكيفية، أو الزمان، أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه.
فإذا ندب الشرع مثلًا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد، أو صوت واحد، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه. - ثم مثَّل بأمثلةٍ نافعةٍ ثم قال: -
فكل من خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنه قيد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة، وهم السلف الصالح -﵃-» (^١).
وقال: «ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، يقول: فأنا أخص منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عينه الشارع، فإن ذلك ظاهر، بل من جهة اختيار المكلف؛ كيوم الأربعاء
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٦٩).
[ ٨٧ ]
مثلًا في الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ذلك، بحيث لا يقصد بذلك وجهًا بعينه مما يقصده العاقل؛ كفراغه في ذلك الوقت من الأشغال المانعة من الصوم، أو تحري أيام النشاط والقوة، بل يصمم على تلك الأيام تصميمًا لا ينثني عنه، فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه، أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار ذلك التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند» (^١).
قال ابن حجر الهيتمي: «بأن الذي صرح به النووي في المجموع: أن صلاة الرغائب وهي ثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من شهر رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، بدعتان قبيحتان مذمومتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وفي إحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف ابن عبد السلام كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد» اهـ.
وأطال النووي أيضًا في فتاويه في ذمهما وتقبيحهما وإنكارهما، واختلفت فتاوى ابن الصلاح فيهما، وقال في الآخر: «هما وإن كانا بدعتين لا يمنع منهما لدخولهما تحت الأمر الوارد بمطلق الصلاة، ورده السبكي بأن ما لم يرد فيه إلا مطلق طلب الصلاة وأنها خير موضوع، فلا يطلب منه شيء بخصوصه، فمتى
_________________
(١) الاعتصام (٢/ ٣٠٩).
[ ٨٨ ]