البدع كلها محرمة
إن كل بدعة في الدين محرمة، ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: أخرج الشيخان (^٣) عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ».
وجه الدلالة: أن البدع مردودة، وما كان كذلك فهو محرم، قال ابن القيم: «لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة» (^٤).
الدليل الثاني: أخرج مسلم عن جابر أن رسول الله -ﷺ- قال: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٣).
وجه الدلالة: أن المحدثات والبدع شر الأمور، وهي ضلالة، فما كان كذلك فهي محرمة.
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٢٧٥).
(٢) المرجع السابق (٩/ ١٠٥)، وانظر مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٣٤ - ٥٣٥).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) زاد المعاد (٥/ ٢٢٦).
[ ٢٧ ]
الدليل الثالث: عن العرباض بن سارية أن رسول الله -ﷺ- قال: «وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنها ضلالة» أخرجه الخمسة إلا النسائي (^١).
وجه الدلالة: أنه نهى عنها بقوله: «وإياكم» ثم وصفها بأنها ضلالة، وما كان كذلك فهو محرم.
الدليل الرابع: أقوال الصحابة، قال ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (^٢)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالةٌ وإن رآها الناس حسنةً» (^٣) (١)، وجعل ابن مسعود المحْدِثين للذكر الجماعي بالحصى مفتتحي بابِ ضلالة، فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟» قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصًى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: «فعُدُّوا سيئاتِكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم -ﷺ- متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلَ، وآنيته لم تُكسَرْ، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملَّةٍ هي أهدى من ملَّة محمد -ﷺ- أو مفتتحو بابِ ضلالة» (^٤).
الدليل الخامس: إجماع السلف الصالح على أن كل بدعة ضلالة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مسألة أن كل بدعة في الدين ضلالة محرمة، هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح» (^٥).
فكل من زعم أن من البدع بالمعنى الشرعي ما ليس محرمًا فهو محجوج بهذا الإجماع.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه ابن خيثمة في كتاب العلم (ص ١٦)، وابن وضاح في البدع (ص ٣٧).
(٣) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٨٠)
(٤) سنن الدارمي رقم (٢١٠).
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٦٤).
[ ٢٨ ]
ويزيد هذا الإجماعَ قوَّةً؛ إجماعُ العلماء على أن المعاصي الشبهاتية (البدع) أشدُّ إثمًا من المعاصي الشهوانية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع» (^١).
فبهذا يتبين أن البدع أشد إثمًا من الكبائر.
وسيأتي - إن شاء الله - تقرير الشاطبي لذلك.
الدليل السادس: أن للبدع لوازمَ شنيعةً، منها زَعْم أنَّ الدين لم يكملْ، فتكون تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾] المائدة: ٣ [.
ومنها اتهام رسول الله -ﷺ- أنه خان الرسالة، قال الإمام مالك بن أنس:
«من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئًا لم يكن عليه سلفُها، فقد زعم أن رسول الله -ﷺ- خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فما لم يكن يومئذٍ دينًا، لا يكون اليوم دينًا» (^٢).
وهذه اللوازم لا توجد في عموم المعاصي الشهوانية من الصغائر والكبائر.
ومما يؤكد أن البدعة أشد إثمًا من المعاصي الشهوانية، كلماتُ أهل العلم في ذم البدع، وتقدم نقل طرف منها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٠٣).
(٢) أخرجه ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٥٨).
[ ٢٩ ]
وقال الشاطبي: «وحاصل ما ذكر هنا (^١) أن كل مبتدع آثم، ولو فرض عاملًا بالبدعة المكروهة، إنْ ثبتَ فيها كراهةُ التنزيه» (^٢).
وقال: «أما الشرعُ، ففيه ما يدل على خلاف ذلك (^٣)؛ لأن رسول الله -ﷺ- ردَّ على من قال: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء … إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك -ﷺ- وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (^٤).
وهذه العبارة من أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموهُ إلا فعلَ مندوبٍ، أو تركَ مندوبٍ إلى فِعْلِ مندوبٍ آخرَ - ثم قال -:
«وكلية قوله: «كل بدعة ضلالة» شاهدة لهذا المعنى، والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم» - ثم قال -:
«والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهيِّنَ عند الناس من البدع؛ شديدٌ وليس بهيِّنٍ، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾] النور: ١٥ [- ثم قال -:
«المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة، حسبما تبين في علم الأصول الدينية، فكذلك يقال في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارًا بتفاوت درجاتها كما تقدم، وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة» - ثم قال -:
_________________
(١) أي في أن ذم البدع والمحدثات عام لكل محدثة.
(٢) الاعتصام (١/ ٢٥١).
(٣) أي ليس في الدين بدعة مكروهة كراهة تنزيهية.
(٤) سيأتي تخريجه.
[ ٣٠ ]
«فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسنَ انحصار - حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب -؛ كذلك تنحصر كبائر البدع أيضًا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكالٌ عظيم على أهل البدع يعسر التخلص منه في إثبات الصغائر فيها، وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين، إما أصلًا، وإما فرعًا؛ لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع؛ زيادةً فيه، أو نقصانًا منه، أو تغييرًا لقوانينه، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات؛ إن قلنا بدخولها في العادات، بل تشمل الجميع.
وإذا كانت بكليتها إخلالًا بالدين؛ فهي إذًا إخلالٌ بأول الضَّروريات، وهو الدِّين، وقد أثبت الحديث الصحيحُ أنَّ كل بدعة ضلالة، وقال في الفِرَق: «كلها في النار إلا واحدة» (^١)، وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل.
هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائرَ، كما أن القواعد الخمس أركانُ الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها، مع أن الإخلال بكل واحد منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة» (^٢).
_________________
(١) سنن أبي داود رقم (٣٩٩١)، سنن ابن ماجه رقم (٣٩٩٣)، مسند أحمد (١٩/ ٢٤١).
(٢) الاعتصام (٢/ ٣٨٠ - ٣٨٩).
[ ٣١ ]