لا يصح التعبد بالمباح لذاته
لأن المباح ليس مما يحب الله فعله ولا تركه، بل إن التعبد به لذاته بدعة، فليس مستحبًا ولا واجبًا إلا في حال واحدةٍ - يأتي ذكرها إن شاء الله -، فمن باب أولى أنه لا يصح أن يتعبَّد لله بفعل المكروهات والمحرمات، فبهذا لا توجد عبادةٌ جائزةٌ مباحةٌ من جهة الفعل وهي ليست واجبةً أو مستحبةً.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥١).
(٢) لعل صوابه: «تعبد بعبادة».
(٣) الأخنائية (ص: ٤٩٩).
(٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٩٤).
[ ٢٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا أصلٌ عظيمٌ تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحةً إذا جُعلت مباحاتٍ، فأما إذا اتُّخذت واجباتٍ أو مستحبَّاتٍ؛ كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلةِ جَعْل ما ليس من المحرَّمات منها، فلا حرام إلَّا ما حرَّمه الله، ولا دينَ إلَّا ما شرع الله، ولهذا عظُم ذمُّ الله في القرآن لمن شَرَع دينًا لم يأذن الله به، ولمن حرَّم مالم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرَّمات؟ .. - إلى أن قال: - بإهمال هذا الأصل غلط خلقٌ كثيرٌ من العلماء والعُبَّاد، يرون الشيء إذا لم يكن محرَّمًا لا يُنهى عنه، بل يُقال: إنه جائزٌ، ولا يفرِّقون بين اتخاذه دينًا وطاعةً وبرًّا، وبين استعماله كما تُستعمل المباحات المحضة، ومعلومٌ أن اتخاذه دينًا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما، أو بالقول أو بالعمل أو بهما؛ من أعظم المحرَّمات، وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يُعلم أنها معاص وسيئات» (^١).
وقال: «فلزوم زيٍّ معيَّنٍ من اللباس، سواءٌ كان مباحًا أو كان مما يُقال: إنه مكروهٌ، بحيث يُجعَلُ ذلك دينًا مستحبًّا وشعارًا لأهل الدِّين؛ هو من البدع أيضًا، فكما أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله، فلا دين إلا ما شرَّعه الله» (^٢).
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية على الذين يقولون: إن السَّفر إلى قبر الرسول -ﷺ- مباحٌ، ثم يتعبَّدون لله بذلك، فبيَّن أنه على فرض الإباحة؛ فإن العبادة لا تكون إلا بأمرٍ واجبٍ أو مستحبٍّ، ولا تكون بأمرٍ مباحٍ، وقد تقدم (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٠).
(٢) الاستقامة (١/ ٢٦٠).
(٣) راجع للاستزادة الصارم المنكي (ص ٣٤)، ومجموع الفتاوى (١/ ٨٠) (١١/ ٦٣١ - ٦٣٤).
[ ٢٤ ]