الأصلُ في العباداتِ التوقف والمنعُ والحظر إلا بدليلٍ،
فلا يصحُّ لأحدٍ أن يتعبَّد اللهَ بشيءٍ إلا بدليل.
ويدل على هذه المقدمة العظيمة أدلة منها:
الدليل الأول: كل دليل في النهي عن المحدثات، والتحذير من البدع، وتقدم ذكر طرف منها.
وجه الدلالة: أن الشريعة ذمت كل عبادة جديدة لم يأت بها رسول الله -ﷺ- ولا أصحابه الكرام، فدل هذا على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) الاعتصام (٢/ ٣٧٩ - ٣٩٠).
[ ٥٦ ]
الدليل الثاني: كل أثر عن الصحابة في ذم المحدثات والأمر بالاتباع كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا» (^١)، وتقدم نقل طرفٍ من ذلك.
وجه الدلالة: أن الصحابة نهوا عن إحداث عبادة جديدة، مما يدل على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
الدليل الثالث: حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع عليها فقال: «وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله» (^٢).
وقال: «وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله بما سنح له وأحبه ورآه، بل لا يعبده إلا بالعبادة الشرعية وقد قال فضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾] هود: ٧ [قال: أخلصه وأصوبه قيل: ما أخلصه وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة» (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٤).
(٣) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ١٧٤).
[ ٥٧ ]
وقال: «إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله، واجب أو مستحب، إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله -ﷺ-؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال: إنه قربة وطاعة، فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به، ولا اتخاذه دينًا، ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين، لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل» (^١).
وقد قرر العلماء هذا الأصل بعبارات مختلفة، وقد تقدم نقل كلام بعضهم في مواضع، وسيأتي إن شاء الله نقل كلامهم مبثوثًا في مواضع أخرى، ومن كلامهم في تقريره ما يلي:
قال الإمام مالك بن أنس: «من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله -ﷺ- خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾] المائدة: ٣ [فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا» (^٢).
هذا يدل على أن الأصل في العبادات التوقيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] الشورى: ٢١ [.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥١).
(٢) أخرجه ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٥٨).
[ ٥٨ ]
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾] يونس: ٥٩ [» (^١).
فالقول بأن العبادات مبناها على التوقيف يقرره فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره.
قال أبو شامة: وما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني -﵀-: «ليس لمن ألهم شيئًا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله حين وافق ما في قلبه»، وقال أيضًا -﵀-: «ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيَّامًا، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين؛ الكتاب والسنة» (^٢).
وهذا تأصيل قوي في أن العبادات توقيفية.
قال النووي: «فينبغي لكل مصل اجتناب هذا الفعل، وينبغي إشاعة إنكار هذا، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم ينقل هذا الفعل عن أحد من السلف وحاشاهم» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع» (^٤).
وقال: «فالأصل في العبادات ألَّا يشرع منها إلا ما شرعه الله» (^٥).
_________________
(١) القواعد النورانية (ص: ١٦٤).
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: ٢٩).
(٣) فتاوى النووي (ص: ٤٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٠).
(٥) الاقتضاء (١/ ٦٤).
[ ٥٩ ]
قال ابن القيم: «ولا دين إلا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليلٌ على الأمر» (^١).
قال ابن رجب: «وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» (^٢).
وقال: «فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه» (٢).
وما تقدم من تقرير العلماء أن كل بدعة ضلالة وإجماعهم على ذلك، دالٌ على أن الأصل في العبادات التوقيف، وأيضًا ما سيأتي من تقرير العلماء أن السنة التركية حجة يدل على هذه المقدمة، لأن القول بالسنة التركية تفريع عنها.
وكلام الأئمة في هذا مشهورٌ ونقله يطول، وما تقدم كاف - إن شاء الله -.
تنبيه: مما تقدم يعلم أنه لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين: إن الأصل في العبادات عدم الحظر والمنع والتوقيف، وغاية من جوز بعض المحدثات هو لظنه أن الدليل دل عليها، فأخطأ في الاستدلال، لا في منازعة قاعدة (الأصل في العبادات الحظر)، ومثل ذلك - والله أعلم - من قال: إن في الدين بدعةً حسنة، أراد أنها عبادات جديدة دل عليها الشرع بعموماته وغير ذلك بزعمه، فلأجل هذا سماها بدعة حسنة، وإلا لا يوجد من ينازع ويقول بجواز إحداث عبادات جديدة بلا دليل، بحجة أنه ليس الأصل في العبادات التوقيف والحظر.
_________________
(١) أعلام الموقعين (١/ ٢٥٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٦).
[ ٦٠ ]