القياسُ لا يصحُّ في العباداتِ غير معقولةِ المعنى (العلة)
العلة من أركان القياس، فإذا كانت العلة غير معقولة المعنى فلا يصح القياس، كما قرره الأصوليون، وممن قرر هذا ابن قدامة فقال: «فإن جعل مكان التراب غيره؛ من الأشنان، والصابون، والنخالة، ونحو ذلك، أو غسله غسلة ثامنة، فقال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما لا يجزئه؛ لأنه طهارة أمر فيها بالتراب، فلم يقم غيره مقامه، كالتيمم؛ ولأن الأمر به تعبد غير معقول، فلا يجوز القياس فيه» (^١).
وقال: «وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح؛ لأن النهي إن كان تعبدًا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه» (^٢).
وأيضًا إذا عارض القياس الدليل الشرعي صار قياسًا فاسدًا، كما قرره الأصوليون (^٣).
فإذا وجد القياس في عبادة معقولة المعنى، لكنه يصادم الدليل الشرعي كالسنة التركية، فإنه يكون قياسًا فاسدًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقياس
_________________
(١) المغني (١/ ٤٠).
(٢) المرجع السابق (١/ ١٥٩).
(٣) قال الشاشي في أصوله (ص ٣١٤): «فصل شروط صحة القياس خمسة: أحدها: أن لا يكون في مقابلة النص. والثاني: أن لا يتضمن تغيير حكم من أحكام النص. والثالث: أن لا يكون المعدى حكما لا يعقل معناه. والرابع: أن يقع التعليل لحكم شرعي لا لأمر لغوي. والخامس: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه».
[ ٨٠ ]
هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوعٌ في مقابلة النص، وذلك أن تركه -ﷺ- سنة، كما أن فعله سنة» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا الترك سنةٌ خاصةٌ، مقدمةٌ على كل عموم وكل قياس» (^٢).
ثم ذكر شيخ الإسلام على هذا أمثلة فقال: «وأشنع من هذا استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة أن يُصلي ركعتين بعد السعي على المروة، قياسًا على الصلاة بعد الطواف، وقد أنكر ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف، ورأوا أن هذه بدعةٌ ظاهرةُ القبح، فإن السنة مضت بأن النبي -ﷺ- وخلفاءه طافوا وصلَّوا، كما ذكر الله الطواف والصلاة، ثم سعوا ولم يُصلُّوا عقب ذلك، فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر، والترك الراتب سنةٌ، كما أن الفعل الراتب سنةٌ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ.
- ثم قال: - فأما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعةٌ وضلالةٌ ويمتنع القياس في مثله …» (^٣).
_________________
(١) شرح العمدة قسم الصلاة (١٠٠).
(٢) الاقتضاء (٢/ ١٠٣).
(٣) القواعد النورانية (ص ١٥٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٠ - ١٧١).
[ ٨١ ]