تقدم في المقدمة الثامنة؛ لذا لم يخصص بها عامًّا ولم يقيد بها مطلقًا، ولم يرد بها قياسًا لأنه معارض لها.
وبهذا ينتهي الرد الإجمالي الذي قصدت منه بيان أن الكاتب مضطرب وغير متصور لما يكتبه، ولا لما يريده.
وأؤكد أن السبب في ذلك - فيما يظهر لي - أمران:
الأول: عدم فهمه وعدم تخصصه بالعلم الشرعي.
الثاني: أنه يريد تشريع بعض البدع، كالاحتفال بالمولد وغيره، فلما اعتقد شرعيتها سعى جاهدًا للاستدلال لما يعتقده، قال ابن القيم في مناسبة أخرى:
«ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثم استدل، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدل ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل» (^١).
وفي مثل تناقضه واضطرابه يصدق قول من قال:
مَساوي لو جُمعْنَ على الغواني … لما أُمْهِرْن إلَّا بالطَّلاقِ
ولأنه قد لا يتصور بعض القراء شناعة تأصيل العرفج، فسأقرب - بفضل الله وتوفيقه - بعض العظائم التي زلّ فيها الكاتب في مناظرة ليسهل تصورها ومعرفتها.
والذي يمثل أهل السنة أجعله باسم (الناصح)، والذي على طريقة العرفج أجعله باسم (المخالف).
_________________
(١) زاد المعاد (٥/ ٢٤٦).
[ ١٠٥ ]
قال المخالف: أنا أتعجب من العلماء، فإنهم لم يفهموا البدعة وضابطها؛ لذا بدعوا أشياء مما يدل على عدم فهمهم لضابطها، ويؤكد هذا أنهم مختلفون في تبديع كثير من الأمور.
قال الناصح: القول بأن العلماء لم يفهموا ضابط البدعة دعوى لا تقبل إلا ببرهان.
أما الاختلاف في تبديع كثير من الأمور فليس دليلًا على عدم فهمهم لضابط البدعة، وذلك لأمرين:
الأول: أنهم متفقون على تبديع أمور أكثر.
الثاني: أنه لا زال العلماء يختلفون في تنزيل التأصيلات العلمية على الوقائع، وهو المسمى عند الأصوليين بـ (تنقيح المناط).
قال المخالف: أنا لي استقراء لصنيع العلماء في التبديع، وبناء عليه ظهر لي أن ضابط البدعة ليس منضبطًا عندهم.
قال الناصح: ليس كل استقراء مقبولًا، ولا كل من استقرأ كان استقراؤه تامًّا، فقد يكون الاستقراء ناقصًا، أو يكون فهمه لكلام العلماء غير صحيح.
قال المخالف: لتقتنع بما أقول: لنبدأ بمسألة (كل بدعة ضلالة).
قال الناصح: توكل على الله.
قال المخالف: زعم بعض العلماء بأن كل بدعة ضلالة، وعلى هذا مؤاخذات، وقبل الإشارة لبعضها .. فهل أنت تقول: «إن كل بدعة ضلالة»؟.
قال الناصح: نعم أنا أرى أن كل بدعة في الدين ضلالة لعموم الحديث، وأرى أن من يقرر أن في الدين بدعة حسنة فهو متناقض.
[ ١٠٦ ]
قال المخالف: زعمُ التناقض وهمٌ منك.
قال الناصح: لا بأس، إن الذي يوصف بأنه بدعة حسنة لا يخرج عن حالين:
إما أنه قد دلّ الدليل عليه ولو بالعموم وغيره، أو أن الدليل لم يدل عليه.
فإن كان قد دل عليه، فلا يصح أن يسمى بدعة بالمعنى الشرعي؛ لأنه ليس بدعة؛ لدلالة الدليل عليه.
وإن لم يكن دلّ عليه، فلا يصح التعبد به؛ لأن العبادات توقيفية وهي على الحظر والمنع إلا لدليل.
قال المخالف: المشكلة في عدم فهمك لمعنى البدعة الحسنة، وذلك أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «نعمت البدعة هذه» فهو بهذا يقرر أن في الدين بدعة حسنة، فهل تقول: إن عمر متناقض؟ هذا أولًا.
قال الناصح: قبل أن تذكر الأمر الثاني: إن ما وصفه عمر بن الخطاب -﵁- بأنه بدعة حسنة هو مغاير لما تصفه بالبدعة الحسنة، وذلك أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا ما أردته وهو المعنى الشرعي.
قال المخالف: كيف؟ الذي أراده عمر هو الذي أردتُه تمامًا؛ وذلك أن عمر ابن الخطاب أطلق هذا الوصف على صلاة التراويح جماعة، وهي عبادة.
قال الناصح: هذا يؤكد أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا المعنى الشرعي؛ لأن ما أطلق عليه أنه بدعة هو ثابت عن رسول الله -ﷺ-، لكن رسول الله -ﷺ- تركه لسبب وهو خشية أن يفترض، ثم لما زال هذا السبب رجع عمر وأحيا هذه السنة.
[ ١٠٧ ]
قال المخالف: بقي أمر ثان؛ وهو أنه لا يصح أن يقال بأن العبادات توقيفية على الإطلاق، فمن أحدث عبادة جديدة فهي صحيحة؛ لأنها بدعة حسنة.
قال الناصح: هذه زلة كبيرة، وهفوة شنيعة لم يسبقك إليها أحد، والأدلة والإجماع على خلاف هذا القول.
سبحان الله! أيصح أن يقال: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق!! إنه لم يقل بهذا حتى العلماء القائلون بأن في الدين بدعة حسنة؛ لأنهم لا يشرعون عبادة إلا بدليل؛ لأجل هذا قال الهيتمي الشافعي: إن الخلاف بين القائلين بأن في الدين بدعة حسنة، وأن البدع كلها ضلالة، خلاف لفظي.
وكلامه صحيح - في الجملة -؛ لأن كل العلماء لا يجوزون عبادة إلا بدليل، وإن كانوا قد يختلفون في تنزيل الأدلة على الوقائع، وأيضًا قد يختلفون في طريقة التعامل مع الأدلة، فمنهم من يوسع في الاستدلال بالقياس والعموم وهكذا …
لكن القول بأن الخلاف لفظي يوهم أن تسمية هذه البدعة بالبدعة الحسنة تسمية صحيحة، وهذا ما لا يوافَقُ عليه وهو غير صحيح، لكن من جهة الثمرة لا ثمرة لهذا الخلاف، وليس القول: (بأن في الدين بدعة حسنة) مجوزًا إحداثَ عباداتٍ جديدة لا دليل عليها.
بل ويلزم من القول بأن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق أن يرجع تشريع بعض العبادات إلى الهوى لا إلى الشرع!!
قال المخالف: إن القول بأنها توفيقية على الإطلاق يترتب عليه أن المستجدات والمستحدثات كالأذان وإلقاء الخطب بمكبرات الصوت بدعة ضلالة وهكذا …
[ ١٠٨ ]
لذا يجب القول بأنها ليست توقيفية على الإطلاق، ولأجل هذا فإنه بسبب استقرائي لكلام العلماء في البدعة، قسمتهم إلى موسعين ومضيقين.
فمن قال: إن في الدين بدعة حسنة، وأن العبادات ليست توقيفية، وأن هذه المستجدات ليست بدعة فهو من الموسعين، ومن لا فهو من المضيقين.
ثم ظهر لي أن من القائلين بأن البدع كلها ضلالة من يتناقض ويجوز مكبرات الصوت، ولا يجعلها بدعة، مع أن لازم أصله يقضي بأنها بدعة ضلالة، بل ذكر بعضهم أن جمع الصحابة للمصحف ليس بدعة، وهذا خلاف أصله.
ثم استدل بأن قواعد الشريعة دلت على هذا، وهذا يتنافى مع القول بأن كل بدعة ضلالة.
قال الناصح: لقد أُتيت من عدم فهمك لضوابط البدعة وكلام أهل العلم.
قال المخالف: كيف هذا وأنا المتخصص في دراسة البدعة، وألفت فيها كتابًا بعد دراسة وبحث.
قال الناصح: ليس كل من ألف أصاب، فقد ألّف أهل البدع مجلدات في الدعوة إلى بدعهم وعقائدهم الفاسدة، ومع ذلك ضلوا وأضلوا.
قال المخالف: إن زعمك أني لم أفهم شيءٌ كبيرٌ، فإما أن تثبته، أو أن تعرض عنه وتتراجع.
قال الناصح: يلزم بناء على تأصيلك وتقسيمك أن تجعل كل العلماء موسعين، لأنه لا يوجد عالم يقول: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق.
[ ١٠٩ ]