إجماع أهل التاريخ عليه. وقيل: تسع عشرة، وقيل لثمان عشرة، وقيل: في أوله، وقيل: في أول اثنين منه من غير تعيين (^١).
الوجه الخامس: أنه يحتف بالاحتفال بيوم المولد غالبًا منكرات أخرى شركية كزعم أن رسول الله -ﷺ- يغفر الذنوب، كما قال أحدهم:
هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا … وسامح الكل فيما قد مضى وجرى (^٢)
أو منكرات بدعية أو معاصي شهوانية.
ولو قدر أنه لم يوجد شيء من هذه المنكرات المصاحبة للاحتفال بالمولد النبوي فيكتفي في بيان ضلاله وحرمته الأوجه الأربعة المتقدمة.
وبعد هذا فإنه مما يحسن ختم الكلام عن المولد النبوي البدعي بجواب لأبي حفص تاج الدين الفاكهاني المالكي، من علماء القرن الثامن، وهو جواب عظيم مختصر عن المولد، ذكر فيه تأصيلاتٍ وأوجهًا متفرقة في حرمة الاحتفال بالمولد النبوي لذاته ولما احتف، به فقال -﵀-:
أما بعد:
فقد تكرر سؤال جماعة من المُباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد: هل له أصل في الشرع؟، وقصدوا الجواب عن ذلك مُبيَّنًا، والإيضاح عنه معينًا.
_________________
(١) ملخص ما ذكر المناوي في الفتوحات السبحانية (١/ ٢٦٦).
(٢) هذه من كلمات حسن البنا في المولد النبوي. «تربيتنا الروحية» (ص ٥٢) لسعيد حوى. والشطر الثاني من البيت شركي قال الله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
[ ١٧٨ ]
فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بِدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفسٍ اغتنى بها الأكالون، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا:
إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا.
وهو ليس بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون - فيما علمت -، وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت.
ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين.
فلم يبق إلا أن يكون مكروهًا، أو حرامًا، وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين:
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام؛ فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُجُ الأزمنة وزَيْن الأمكنة.
والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء -﵏-: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء
[ ١٧٩ ]
من الغناء، مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف والشبَّابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف.
وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يَحِلُّ ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ.
ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازَناه:
قد عرف المنكر واستنكر الـ … ـمعروف في أيامنا الصعبة
وصار أهل العلم في وهدة … وصار أهل الجهل في رتبة
حادوا عن الحق فما للذي … سادوا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبرار أهل التقى … والدين لما اشتدت الكربة
لا تنكروا أحوالكم قد أتت … نوبتكم في زمن الغربة
ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء -﵀- حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي -ﷺ- وهو ربيع الأول - هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.
[ ١٨٠ ]
وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول».
تنبيه: إن مناقشة تجويزه لبدعة المولد النبوي خلاف طريقتي في هذا الرد، فإن طريقتي عدم مناقشة الأمثلة التي أوردها في الكتاب، وإنما اقتصرت على ما رأيته مهمًّا من تأصيلاته وأدلته، لكن لما رأيت حماسته لبدعة المولد أردت تتميم الفائدة بهذه المناقشة لعله يرجع ويتوب.
[ ١٨١ ]