قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾] الذاريات: ٨ - ٩ [. وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾] النساء: ٨٢ [» (^١).
قال ابن القيم: «فأقسم بذلك على أن الرادين لما بعث به رسوله، المعارضين له بعقولهم؛ في قول مختلف، ولهذا نجدهم دائمًا في قول مختلف لا يثبت لهم قدم على شيء يعولون عليه، فتأمل أي مسألة أردْتَ من مسائلهم ودلائلهم تجدْهم مختلفين فيها غايةَ الاختلاف، يقول هذا قولًا وينقضه الآخر، فيجيء الثالث فيقول قولًا غير ذينك القولين وينقضهما ويبطل أدلتهما، ولا تجد لهم مسألة واحدة إلا وقد اضطربوا فيها حكمًا ودليلًا، فهم أعظم الناس اختلافًا، حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدعي أنه قطعي» (^٢).
ويتبين الخلل في الفهم والعلم الشرعي عند الكاتب بمعرفة الرد الإجمالي، وهو في سبعة أمور:
أولًا: زعمه أن العبادات ليست توقيفية مطلقًا، فقال: «إن هذه الأدلة الشرعية توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (^٣)، وهذا خطأ مخالف للأدلة وإجماع أهل العلم كما تقدم في المقدمة السابعة، ولو تفهم لعلم أن معنى أنها ليست توقيفية على الإطلاق؛ أي أنه يجوز بأي حال من الأحوال إثبات عبادات بلا دليل شرعي بل بهوى النفس!!
_________________
(١) بغية المرتاد (ص: ٣٩٥).
(٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٤٣١).
(٣) (ص ١٥٣).
[ ٩٨ ]
والذي دعا الكاتبَ لهذا أنه يرى أن العبادات المستجدة تثبت إذا انسجمت مع قواعد الشريعة؛ الاجتهاد والقياس، لذا قال: بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، وقال: «ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن طريق الاجتهاد والقياس».
ولو تفهم، لعلم أن هذه المستجدات التي جاز التعبد بها كانت بسبب دلالة القواعد الشرعية - وغير ذلك - على صحتها، وما كان كذلك فإنها ترجع إلى الشرع؛ فتكون توقيفية، فلا يصح أن يقال: إنها عبادة غير توقيفية.
ولما قرر العلماء أن العبادات توقيفية علموا أن هذا لا يتعارض مع إثبات عبادات بالقواعد والأدلة العامة بالضوابط الشرعية، كما تقدم في المقدمة الثامنة والحادية عشرة.
وإن كان قد يختلف العلماء أنفسهم في هذه الأدلة وفي دقة تنزيلها على الوقائع، إذا عرف هذا فخلاف الكاتب مع من قال: إنها توقيفية مطلقًا؛ خلافٌ لفظي، لكنه لا يدرك ذلك ولا يفهمه، لأنه اعتقد ثم استدل، فبسبب هذا خرج بتأصيل مُحْدَثٍ، وهو زعْمُه أن العبادات ليست توقيفية مطلقًا!!.
وأيضًا، من عرف ما تقدم أدرك خطأ الكاتب لما وصف الذين أسماهم بالمضيقين، أنهم يمنعون كل المستجدات، فقال على لسانهم: وأن القول بأن بعض المحدثات المستجدات يمكن أن تكون مشروعة؛ قولٌ باطل» (^١) وهذا غير صحيح، ولا قائل به، بل حتى من أسماهم بالمضيقين يجوزون بالضوابط الشرعية التعبد ببعض المستحدثات، كما يتبين بالرجوع إلى المقدمتين السابقتين.
_________________
(١) (ص ٢٦).
[ ٩٩ ]
وأؤكد أنَّ ظنَّ الكاتب: (أن إثبات العبادات بالقواعد الشرعية وبالعمومات بضوابطها، يقتضي أنها ليست توقيفية مطلقًا)؛ ظنٌّ خطأ فادح.
ثانيًا: قسم الكاتب المتكلمين في البدع من أهل العلم إلى مضيق وموسع، فلما أراد أن يذكر أمثلةً على المضيقين والموسعين بان اضطرابه، وذلك أنه وصف المضيقين بأمور هي خطأٌ وتوهمٌ لا حقيقة له في الواقع إلا في ذهنه، كالقول بأنهم يبدعون ويضللون كل المستجدات الدينية، ولا يراعون القواعد في المستجدات، وهكذا .. ثم إذا وقف على حقيقة كلامهم وجد خلاف ما توهمه فيهم، بل وجدهم يقعدون بعدم تبديع كل المستجدات للقواعد الشرعية وغير ذلك، فبعد هذا يضطرب، فتارة يصنف بعضهم مع الموسعين، كما فعل في تصنيفه لابن كثير وابن رجب مع أنهما يقولان: كل ما ثبت أنه بدعة فهو محرم، ومن كان كذلك فينبغي أن يصنفه من المضيقين كما سبق في تقعيده لما قسَّم!.
وتارة يشك؛ كما فعل مع الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀- فقال:
«قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مع أنه من العلماء المضيقين لمعنى البدعة -: نخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع عمر التراويح جماعة، وكجمع المصحف، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك. فهذا حسن» انتهى الدرر السنية (٥/ ١٠٣)، فكلامه يشير إلى وجود بدع لها أصل في الشرع، وبالتالي يشير إلى تخصيص عموم ذمها، فتأمل» (^١).
_________________
(١) الحاشية (ص ٧٧).
[ ١٠٠ ]
وهذا الاضطراب بدا جليًّا مع الشاطبي حين قال: «وقد ألف الشاطبي -﵀- كتابه الاعتصام حول موضوع البدعة، وتنازعه الفريقان، وادعى كل فريق أن الشاطبي -﵀- معدود في فريقه» (^١).
ولو كان ذا فهم وعلم لعلم أن كل العلماء يجوزون عبادات من غير دليل خاص، فيلزم من هذا أن يكونوا جميعًا موسعين - على اصطلاحه -، ولا يوجد علماء مضيقون - على اصطلاحه - إلا في ذهنه هو، ولأجل ما تقدم اضطر أن يجعل أبا شامة وابن كثير وابن رجب من الموسعين - كما تقدم -.
ثالثًا: أخطأ على العلماء الذين وصفهم بالموسعين وزعم أنهم يجوزون البدع الشرعية - أي عبادات لا دليل عليها -، وهذا جهل عليهم، فإن لهم كلامًا كثيرًا في تبديع كثير من الأفعال لمجرد عدم الدليل عليها، كما تقدم النقل عن أبي شامة والنووي، حتى إنه جعل العز بن عبد السلام من الموسعين مع أنه شديد في التبديع في العبادات العملية، حتى إنه جعل إيراد الشِّعر في خطبة الجمعة من البدع، فقال: «لا تذكر الأشعار في الخطبة، لأنه من أقبح البدع» (^٢).
رابعًا: اضطرب في ضابط العلماء الموسعين والمضيقين، فمن الضوابط التي قررها: أن العلماء المضيقين يرون كل بدعة حرامًا، فقال: «أطلقت وصف المضيقين لمعنى البدعة على العلماء القائلين بأن للبدعة حكمًا واحدًا، وهو الحرمة، ويقابلهم الموسعون لمعنى البدعة، وهم الذين يرون أن البدعة منقسمة إلى الأحكام
_________________
(١) (ص ١٠١).
(٢) الفتاوى للعز بن عبد السلام (ص ٧٩).
[ ١٠١ ]
الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والجواز، والكراهة، والحرمة، وهذان الوصفان لا يحملان مدحًا أو قدحًا، بل يصفان واقعًا» (^١).
ولو كان ملتزمًا لهذا الضابط لما عدّ ابن رجب من العلماء الموسعين؛ لأن كلام ابن رجب صريح في أن كل بدعة ضلالة، ومثله ابن كثير، كما نقله هو في الكتاب نفسه (^٢)، فلما أراد أن يخرج من هذا المأزق جعل ابن كثير وابن رجب من أصحاب المذهب الثالث الذي (^٣) أقر فيما بعدُ أن خلافهم لفظي مع المذهب الأول - وهم الموسعون -، فهم - حقيقة - جميعًا من الموسعين عنده.
خامسًا: عنده خلط كبير في فهم مذهب من يسميهم بالمضيقين، فيفهم أن مقتضى قولهم: إن كل البدع ضلالة ومحرمة، أنهم لا يرون تجويز عبادات حادثة بضوابط شرعية تتوافق مع أصول الشريعة، فكأنه - على فهمه لمذهبهم - يُلزمهم أن يحرموا مكبرات الصوت للأذان وغيرها من المستجدات الحديثة التي اتخذت وسائلَ للعبادات، ويلزمهم أن لا يجوزوا التعبد بالعبادات التي جاءت في الأدلة على وجه الإطلاق والعموم، وهذا كله خطأ فادح ووهم جانح، يعرف بفهم ما تقدم ذكره من المقدمات والنقولات.
قال الكاتب: والخلاف بين الفريقين حقيقي وليس لفظيًّا، إذ إن الفريق الأول - أي الموسعين - لا يحكم على المحدثات بالبدعة والحرمة، لعدم ورودها في نصوص الشرع، بل يجتهد ويقيس وينظر، ثم يصدر الحكم الشرعي المناسب
_________________
(١) (ص ٢٦) في الحاشية.
(٢) (ص ٧٩).
(٣) (ص ٧٠).
[ ١٠٢ ]
لها، أما الفريق الثاني - أي المضيقون - فيرى أن كل محدثة في الدين بدعة ضلالة؛ لأنه ليس مما عهد في الصدر الأول» (^١).
وقال في بيان مذهب الموسعين خلافًا للمضيقين: «خلاصة رأي الموسعين لمعنى البدعة: إن النصوص السابقة تفيد أن للبدعة معنيين: الأول منهما معنى في اللغة، وهو كل محدث أولًا على غير مثال سابق، والثاني منهما معنى في الشرع، وهو كل محدث يخالف أصول الشريعة وقواعدها ونصوصها، فالبدعة بالمعنى اللغوي تحتمل المدح والذم، وتشملها الأحكام الخمسة، والمقياس في ذلك الاجتهاد والبحث في دلالات نصوص الشريعة وإشاراتها حول هذه الحادثة، أوردها إلى مثيلاتها في الكتاب والسنة عن طريق القياس، وأما بالمعنى الشرعي فإنها مذمومة؛ لأنها تخالف أصول الشريعة وقواعدها، فإن كانت البدعة
- بالمعنى اللغوي - لا تخالف أصول الشريعة، فهي بدعة في اللغة وسنة (أو واجبة أو جائزة) في الشرع» (^٢).
هذا الذي ينسبه للموسعين هو في الواقع قول من زعمهم مضيقين، وأن الخلاف بينهما لفظي من جهة، وهو - في نسبة ما لم يفعله رسول الله -ﷺ- وصحابته للبدعة، مع دلالة الدليل عليه، ودلالة القواعد الشرعية عليه بالضوابط - بدعةٌ لغوية، ومن جهة ثالثة قد يحصل اختلاف حقيقي أحيانًا في طريقة تنزيل الدليل على الوقائع، فمثلًا - بعيدًا عن تقسيمه العلماء إلى مضيق وموسع -: الاستدلال
_________________
(١) (ص ٧٠).
(٢) (ص ٨٧).
[ ١٠٣ ]
بالقياس، قد يتوسع بعضهم في العبادات المعقولة المعنى ولو خالف السنة التركية، بينما آخرون لا يعتدون به إذا خالف السنة التركية، وهكذا.
وأحيانًا يتفقان على التأصيل، ويختلفان في التنزيل، من باب الاختلاف في تحقيق المناط، وهو تنزيل الدليل على الوقائع.
سادسًا: إن من العقد عند الكاتب التي لم يستطع حلها، أو ما أراد حلها؛ أن القول بأن كل بدعة ضلالةٌ وحرامٌ يتنافى مع تجويز بعض المستجدات الشرعية مطلقًا، وأنها لابد أن تكون بدعة شرعية؛ ضلالة وحرامًا!!
وإن ظنه بتنافيهما وتنافرهما مطلقًا ليس صحيحًا؛ لأن القول بأن كل بدعة ضلالة، أي ما ثبت أنه بدعة لعدم دلالة الدليل عليها، سواء بالنص أو بالقواعد الشرعية، أو العمومات بضوابطها الشرعية، بخلاف ما دلَّ الدليل على شرعيتها بالضوابط العلمية، فإنها لا تكون بدعة ضلالة، ولو كانت من المستجدات.
وما ثبت من المستجدات الشرعية بالأدلة فإنها ليست بدعة بالمعنى الشرعي، ولو كانت مستحدثة؛ لأنها ثابتة بدليل شرعي معتبر، ويصح أن تسمى بدعة بالمعنى اللغوي باعتبار أنها لم تكن إلا بعد رسول الله -ﷺ-، والذي رأيت الكاتب مصرًّا عليه هو: أن القول بأن (كل بدعة ضلالة) معناها تبديع وتضليل جميع العبادات المستجدة، ولو دلّت عليها الأدلة المعتبرة.
سابعًا: إن من أعظم ما سبب لبسًا وخلطًا عند الكاتب أنه لم يقر بأن ترك رسول الله -ﷺ- سنة، كما أن فعله سنة، بضوابطهما، فهو لا يوافق على أن فعل ما تركه رسول الله -ﷺ- وصحابته من العبادات، مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ بدعة، مع أن هذا مقرر عند علماء من المذاهب الأربعة، ودلت عليه الأدلة، كما
[ ١٠٤ ]