خص شيئًا منه بزمان أو مكان أو نحو ذلك دخل في قسم البدعة، وإنما المطلوب منه عمومه، فيفعل لما فيه من العموم، لا لكونه مطلوبًا بالخصوص» اهـ.
وحينئذ فالمنع منهما جماعة أو انفرادًا …» (^١).
قال العلامة الألباني: «إن البدعة المنصوص على ضلالتها من الشارع هي … - وذكر منها: - كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود، مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد» (^٢).
قال العلامة ابن عثيمين: «فإن الشيء الذي يُستحبُّ على سبيل الإطلاق لا يمكن أن تجعله مستحبًّا على سبيل التخصيص والتقييد إلا بدليلٍ، ولهذا لو قال قائل: سأدعو في ليلة مولد الرسول -ﷺ- بأدعية واردةٍ جاءت بها السنة، قلنا: لا تفعل، لأنك قيدت العام بزمنٍ خاصٍ وهذا يحتاج إلى دليلٍ، فليس كل ما شرع على سبيل العموم يمكن أن نجعله مشروعًا على سبيل الخصوص» (^٣).
تنبيه: لا أحد يخصص عبادةً بزمانٍ أو مكانٍ أو مقدارٍ أو غير ذلك إلا لشيءٍ قائمٍ في نفسه، فإنه لا يمكن أن يواظب الذاكر على ذكرٍ معيَّنٍ في زمنٍ معيَّنٍ أو على صفةٍ معيَّنةٍ بدون دافع، وهذا الدافع إذا كان تعبديًّا - وليس عليه دليلٌ معتبر - صار من جملة البدع، أما إذا كان الدافع غير تعبدي، كأن لا يتفرغ إلا في مثل هذا الوقت أو هذا المكان، فمثل هذا لا يكون من البدع لأنه ليس تعبديًّا،
_________________
(١) الفتاوى الفقهية الكبرى (٢/ ٨٠).
(٢) أحكام الجنائز (ص ٢٤٢).
(٣) الشّرح الممتع (٤/ ٤١)، وراجع للاستزادة الاقتضاء (٢/ ١١٣ - ١٤٠)، والاعتصام (٢/ ٢٩ - ٧٢ - ٢٤٦).
[ ٨٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن ذلك أن من أحدث عملًا في يوم كإحداث صومِ أول خميسٍ من رجب، والصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب مثلًا، وما يتبع ذلك من إحداث أطعمةٍ وزينةٍ وتوسيعٍ في النفقة ونحو ذلك، فلابد أن يتبع هذا العمل اعتقادٌ في القلب، وذلك لأنه لابد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحبٌّ استحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله وبعده مثلًا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصًا، وسائر الليالي عمومًا، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجِّحٍ ممتنعٌ» (^١).
وقال: «ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أخصها، فلا بد أن يكون باعثه إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم، له ونحو ذلك، وإلا فهو كاذبٌ، فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد أو باعثًا آخر غير ديني، وذلك الاعتقاد ضلالٌ.
- ثم قال: - ثم هذا العمل المبتدع مستلزمٌ إما لاعتقادٍ هو ضلالٌ في الدِّين، أو عمل دينٍ لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله؛ لا يجوز» (^٢).
_________________
(١) الاقتضاء (٢/ ١٠٧).
(٢) المرجع السابق (٢/ ١١٤).
[ ٩٠ ]
قال الشاطبي: «فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل؛ كالفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا» (^١).